الصفحة 22 من 53

هذا وكلما اشتدت جذوة الجهاد توهجًا، وكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، وأصبحت أفئدة عامة المسلمين تهوي إليه، ونَفَر إليه النافرون من كل فجٍّ عميق- ازداد صخب الشبهات التي يراد بها التهويش عليه، وبث الاضطراب بين أهله والقائمين بأدائه، واتخذ كثير من القاعدين لأنفسهم حجة يدفعون بها عن أنفسهم ويلقنونها غيرَهم ويلقونها في طريقهم، لا سيما وأن تلك الشبهات هي في أغلبها مما يستحسنه الطغاة الذين تضعضت عروشهم وبليت نُظمهم وسئمها القريب والبعيد، ومع أن بعض ما يثار منها ليس جديدًا إلا أن الجديد هو إحياؤها والنفخ فيها وتدعيمها بأنواع المحسِّنات والمرغّبات والمزينات التي تجتذب الناظر إليها وتأخذ بلُبِّ مستمعها، ورواج مثلها ليس بغريب ولا عجيب كما قال تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لهم} [التوبة/47] ، وقد قال تعالى عن المنافقين: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون/4] .

وما دامت تلك الشبهات المعوِّقة متجددة متولدة ومتطورة كل حينٍ، فلا يمكن للمرء أن يتتبعها ويستقصيها كلَّها أو يأتي عليها جميعها ولو كان عالمًا راسخًا كما قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: (ولا يجب على العالم حل كلِّ شبهة تعرض لكل أحد فإن هذا لا آخر له) اهـ.

ولكن حتى يبقى الحق ناصعًا بينًا أحببت تدوين هذه الكلمات تثبيتًا للمجاهدين، ودحرًا لتخرصاتٍ تحاول أن تحجب النور المبين، وتجمعَ كل شاذٍّ نادٍّ من الأقوال وتؤلف بينه بطرق سقيمة ليحسب الظمآن سرابه ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وتستحدِث دخائل تُلبِس الحق بالباطل، ثم قبل ذلك اتباعًا لمسلك القرآن الكريم الذي صان عبادة الجهاد بدفاعٍ قلَّ نظيره في أكثر العبادات، بحيث لا تكاد تجد غزوة من الغزوات - لا سيما التي يكون فيها تعبٌ ظاهرٌ وجروحٌ داميةٌ - إلا ويصاحبها ذبٌّ عن الجهاد والمجاهدين، وإبطالٌ صارمٌ لمتعلِّقات القاعدين والمنافقين، ويشنُّ عليهم هجماتٍ ماحقةٍ لا تبقي ولا تذر حتى يُرجِع حجتهم داحضةً وهم داخرون.

ولكن مما ينبغي التنبه له والتنبيه عليه أن الاستنفار لرد جراد الشبهات المنتشر يجب أن يكون مصاحبًا لدحر جيوش الكفرة وقتالهم وليس بمشغلٍ عنه، فإن ذلك مطلبٌ مهم بالنسبة للكفرة الذين لا يريدون أكثر من الحفاظ على أنفسهم وأمنهم حتى ولو احتدمت معركة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت