الصفحة 20 من 53

ولذلك فإن على العلماء الصادقين العاملين -إن كانوا يريدون التغيير حقًا- أن يتمرّدوا على هذا الواقع، ويقطِّعوا حِبال شَرَكه، ويخرجوا عن سكة القاطرة التي رسمها لهم الطغاة المتجبرون المستبدون الذين يريدون منهم أن يجعلوا الجهاد عضين، فتراهم يسمحون لهم بالحديث عن جهادٍ يوافق أهواءهم ويلبي رغباتهم ويحقق مصالحهم أيامًا معدوداتٍ، حتى إذا انقضت المهمة وتحصل المقصود قلبوا لهم ظهر المجن وأولغوا فيهم المدى، وألجموا أفواههم وسفهوا فتاويهم فتصبح في عداد المنسوخات التي ترفع حكمًا وذكرًا، وفي الوقت نفسه تجدهم يحاربون جهادًا ربما كان أوضح راية وأجلى غايةً ويحاولون إلجاء أولئك العلماء ليكونوا لهم في قلب الحقائق سندًا وعضدًا، فينزلق معهم في هاوية الأهواء مَن لم يحصِّن نفسه بالورع والخشية لله، وبهذا أصبحت الأمة في كثيرٍ من الأحيان ليست متبعة في الحقيقة للعلم وأهله ولا متقيدة بأحكام النوازل وضوابطها، وإنما هي خاضعة لتقلبات أهواء السفهاء السفلة من الحكام الذين لا يرجون لله وقارًا وضائعة وراء شهواتهم التي يميلون بها عن الحق ميلًا عظيمًا، وإنما سخَّروا بعض المنتسبين للعلم ليُخرجوا تلك الأهواء المرذولة العفنة في قالب العلم والفتوى فعلَ من يطلي العذرة بالمسك تطييبا لها، ليكون العامي المسكين ضحيّة تلك الفتاوى وأسيرَها، وما كان لمتّبع هوى نفسِه أن يسلك جادَّة الحق ويسلمَ من الانحراف والضلال فكيف بمن استسلم لأهواء غيره من عُبَّاد الشهوات الصم البكم الذين لا يعقلون، فيجمع شرًا على شرٍّ فيصدق فيه المثل"أَحشَفًا وسوءَ كِيلة"؟، قال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص/26] ، وقال عز وجل: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص/50]

فيا لها من جنايةٍ عظيمة تجترح في حق الدين وأهله، وإن شئت المثال فقارن كلام كثير من العلماء المعاصرين بين الجهاد في فلسطين والجهاد في العراق، أو الجهاد في أفغانستان إبان احتلال الروس لها ثم بعد تغلُّبِ النصارى الأمريكان وأعوانهم عليها، وهذه أمثلة واضحة لا تفتقر إلى استنطاق، وتَشابُهُ حالِتها بل تطابُقُها من حيث التوصيف الشرعي لا يغيب عن منصف متجرّدٍ للحق، فلا يحتاج الأمر إلى كثرة الفلسفات ولا الإغراق في التحليلات، ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت