ويؤيد هذا ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم حينما اشتغلوا بالجهاد وفرَّغوا أنفسهم لأدائه فأدى ذلك إلى ضياع كثيرٍ من أمور دنياهم التي كانوا بها مشتغلين، فبعد أن تمكَّن الدين وقام عموده وخفقت بنوده وكثرت جنوده، وانتشر نوره ودخلت فيه جموع الناس طوعًا أو كرهًا تحدَّث بعضهم إلى بعضٍ فيما بينهم (سرًا) بأن يفرِّغوا أنفسهم لإصلاح شؤونهم والاعتناء بأموالهم، ومع ذلك فلا يظهر أنهم حدثوا أنفسهم بترك عبادة الجهاد كليَّةً، فأنزل الله تعالى في ذلك قوله: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة/195] ، وقد قال الصحابي أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-: [إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا هلم نقيم في أموالنا ونصلحها فأنزل الله تعالى:"وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد] رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان وبوَّب عليه بقوله: [ذكر الإخبار عما يجب على المرء من ترك الاتكال على لزوم عمارة أرضه وصلاح أحواله دون التشمير للجهاد في سبيل الله وإن كان في المشمرين له كفاية] (صحيح ابن حبان:11/ 9) ، فكيف إذا لم يكن في المشمرين له كفاية؟!