ومن هنا فإن الله عز وجل قد تولى بنفسه الدفاع عن الجهاد والمجاهدين، وردَّ كل ما يتشبث به القاعدون الخالفون المبطّئون المعوِّقون المعتذرون من الحجج في تخلّيهم عن أداء هذه العبادة، وطعنهم في القائمين عليها، واستخفافهم بهم وبقتالهم ومصابرتهم وحتى نفقاتهم، وذلك لنعلم أن عبادة الجهاد هي معركةٌ شرسةٌ ضروسٌ لا ضد الأعداء الكفرة في ساحة الحرب بالسلاح فحسب، بل كذلك ضد مثيري الشبهات في طريقها، وناصبي أنواع العراقيل لمنعها والصدِّ عنها، والمتعلقين بأدنى الأوهام للتنصل منها والاسترواح إليها، هذا من جهةٍ، ومن جهة أخرى كي نُدرك خطر تلك الشبهات التي قد تعظم وتَفخُم حتى تؤدي إلى إسقاط هذه العبادة أو التهوين من شأنها والتقليل من مكانتها في الشرع وفضفضة معناها، وهو ما يقودُ إلى هدمِ أركان الدين التي تحاط بالجهاد، وحلول الذلة والمهانة بخير أمةٍ أخرجت للناس، فيسقط الناس في الفتنة العامة العمياء من حيث أرادوا الفرار منها والنجاة من حبائلها، قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة/251] ، وقال عز وجل: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج/40] ،
قال الإمام ابن النحاس -رحمه الله-: [قال الإمام أبو عبد الله الحَلِيمي في شعب الإيمان: أبان سبحانه أنه لولا دفع الله المشركين بالمؤمنين، وتسليط المؤمنين على دفعهم عن بيضة الإسلام، وكسر شوكتهم وتفريق جمعهم، لغلب الشرك على الأرض، وارتفعت الديانة، فثبت بهذا أن سبب بقاء الدين واتساع أهله للعبادة إنما هو الجهاد، وما كان بهذه المنزلة فحقيق أن يكون من أركان الإيمان، وأن يكون المؤمنون من الحرص عليه في أقصى الحدود والنهايات.] (مشارع الأشواق: 80)
وقال سبحانه: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة/39] .
ولما كان هذا التعلل لن ينقطع عند الأحداث العارضة التي نزل فيها القرآن بل سيستمر تولد نظائرها وتنوعها وتفرعها ويستشري شرها ويتفنن الناس في استحداثِ غيرها وابتكار أمثالها