هذا ولأن ساحات الوغى مظنة بروز تلك الصفة الذميمة (الجبن) ، وظهور أعراضها على صفحات الوجوه كما قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [الأحزاب/19] ، وقال: {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [محمد/20] -احتاج الأمر إلى إيجاد واقٍ يدرأ بِه المرء عن نفسه ويتترس به لرد سهام التشنيع والتقريع التي ستنصب عليه من هنا وهناك، فكان ذلك الترس هو الحكمة المغلَّفة، والتعقّل المفتَعل، والاتّزان المموِّه، والرزانة المتصنّعة، والتفكير الهادئ المتكلَّف:
يرى الجُبناءُ أنّ الجُبْنَ عقلٌ ... وتلكَ خديعةُ الطّبْعِ اللّئيمِ
لا سيما إذا وافقت بعض أحداث الجهاد شيئًا مما ذكروه من قبل و (ناصحوا) به، فعندها سترى الشماتة سافرةً، والتضلُّع بالخِبرة التامة، والبصيرة النافذة، والاطِّلاع على عواقِب الأمور، فتنطق الألسن: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران/168] ، أو: {قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} [النساء/72] ، أو {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} [آل عمران/156] .
وكما أن الله عز وجل يختبر عباده المؤمنين بأنواعٍ شتى من الابتلاءات ليستخرج منهم عباداتٍ ما كانت لتظهر لولا ذلك كزيادة الخضوع والتذلل والتضرع والتواضع والافتقار وكثرة الدعاء والانكسار والصبر والتبرؤ من الحول والقوة وغير ذلك، فإن تلك الابتلاءات تكون سببًا أيضًا في هتك أستار أهل النفاق والذين في قلوبهم مرضٌ ممن لا يكاد المسلمون يعرفون أحوالهم ويطَّلعون على خباياهم إلا بنزول أمثال تلك المحن، فتنطق الألسنة بما استكن في القلوب شاءت أم أبت، وتقذف على الأسماع بكلماتٍ سافلة قاتلة كانت مدفونة في أعماق النفس لا يعلمها إلا علاَّم الغيوب، فتخرج منسابةً مفصِحةً عن المكنون مثيرةً للمدفون، أو تبرز تصّرفات وأفعال عجيبة غريبة لا تليق بِمن رسخ الإيمان في قلبه: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب/12] ،: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران/154] ، وقال سبحانه: وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ