وإلا فقلي بربكَ! ماذا سيضير تخلُّف رجلٍ واحدٍ عن معركةٍ قوام جيشها ثلاثون ألفًا حتى يتولى القرآن الرد على شبهةٍ هزيلةٍ رذيلةٍ تعلَّق بها رجلٌ مغمورٌ مغموز: {يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} [التوبة/49] ، فيأتي الردُ الحاسم القاصم: {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [التوبة/49] ، مع أنه لم يثر شبهته ليثني بها غيره عن الجهاد، ولا هي من قبيل ما يقبل الرواج، وإنما فقط بحث لنفسه عن مخرجٍ ينجو به من تكاليف النفير ويريحها من وعثاء السفر فلم يجد أهوَن مما تعلق به، فاتّخذ دعوى الحفاظ على دينه والبعد عن الفتنة ملاذًا آمنًا يركن إليه فرارًا من أداء هذه العبادةِ الممحِّصة.
فكيف بِمن يملأ الصفحات بل ويصنِّف الكتب ويسهر الليالي منقبًا عن الشبهات التي يتعلل بها لنفسه ويُقعِد بها غيرَه محاولًا جهده إحكامها وإتقانها ومروجًا لها بزخرف القول ليحمِل وزر قعوده كاملًا ومن أوزار الذين يثبطهم ويزهِّدهم في الجهاد ويقطع عليهم طريق الجنّة الذي لا شك فيه؟!، وهذا -والله- من الحرمان والخذلان العظيم للعبد إن لم يتب ويرجع وينتبه من غفلته، فكما أن جزاء الحسنة حسنةٌ بعدها، فكذلك عقوبة السيئة سيئةٌ بعدها، ومن أعظم العقوبات في ذلك أن يستحسن المرء ذنبه فيراه حسنًا كما قال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا} [فاطر/8] .
فهذا المرء الذي رضي بالنكول عن القيام بعبادة الجهاد وقنع بذلك واستطابته نفسه عوقب بأن فُتِح عليه باب سيئةٍ فوقها وهي تسويغ ما هو فيه واستجلاب أنواع الأعذار وتسليكها، والأشنع من ذلك الاستدلال لها تكلُّفًا بأدلة الشرع وتلفيقًا لكلامٍ ملتقطٍ لعلماء، فلما تمادى في ذلك وأعجبه واستحلاه حلَّت به سيئة بعدها وهي تثبيط غيره وإشراكه في إثمه ودعوته لما تلبَّس به، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عَمِل بها، فبَدل أن يكون نافرًا للجهاد أصبح نافرًا عنه منفِّرًا منه، وبدل أن يحرِّض عليه غدا مثبِّطًا مبطِّئًا من أراده، وبدل أن يدفع عنه أنواع الشبهات تولى بنفسه اختلاقها وإشاعتها والترويج لها وتزيينها: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور/63]
وما أحسن ما قاله الإمام المجاهد شيخ الإسلام -رحمه الله-: [ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة، صار في