كي لا تتفرع الشبهات ويتولد بعضها من بعضٍ ويضيع المرء في متاهات المناقشات الطويلة فينبغي الاستمساك أولًا بالمسائل المجمع عليها والتي نص عليها العلماء بعبارات واضحة فصيحة صريحة بحيث تبقى هي قطب الرحى التي عليها المدار، فمهما طرح بعد ذلك من الإشكالات والاعتراضات فإنما هي مكمِّلات لا تنقض الأصل ولا تُبطِله، وذلك لأن بعض من يتولى كبر اختلاق الشبهات وإثارتها يعمَد إلى بعض أخطاء المجاهدين الحقيقية أو الموهومة فيضخمها ويدندن حولها ويحاول جهده أن يعطِف كل أعمالهم عليها ويغمرها فيها، ويظهرهم للناس في صورة سوداء قاتمة لا خير فيها بل هي الشرُّ كلّه والفساد كله، ومرامه من ذلك الاعتراض بكل وسيلة لإبطال القيام بعبادة الجهاد تحتى دعوى عدم الجدوى، أو أن إثمها أكبر من نفعها، ثم أصبح الاتجاه العام للشبهات أخيرًا هو التركيز على عدم الشرعية أصلًا، خاصة فيما يتعلق بقتال الحكومات المرتدة المتسلطة على بلدان المسلمين، لا سيما مع موجة شعارات الانفتاح والمصالحة والمصارحة والحوار وهي إحدى ثمرات الضربات التي تلقتها تلك الأنظمة المستبدة التي لم تكن تعرف إلا سياسة واحدة {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر/29] ، ومثلها: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء/29] ولكن يأبى القوم إلا أن يجعلوا هذه (الحسنة) هي من خالص هبات وعطيات أولئك الطغاة العتاة التي أتحفوهم بها وأكرموهم بنوالها، ونحن نقول لهم إن مجاملاتهم لكم لن تدوم ومسايراتهم لن تستمر، فإنما هي طفرة عابرة اقتضتها ظروف طارئة فتكيفوا معها لطلب مصلحتهم هم لا مصالحتكم، فهؤلاء المجرمون قد رضعوا النذالة والطغيان والبغي وتوارثوها فيما بينهم، وشبت أنظمتهم وشابت على سياسات العتو والقهر والكبت، والشجرة الخبيثة لا يقطع خبثها إلا اجتثاثها من الأرض فلا يبقى لها قرار ومحاولة تحسينها وتطييبها ضرب من العبث: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [إبراهيم/26] ، فالحقيقة الكامنة في صدورهم والتي لا يجدون عنها فكاكًا هي ما ذكرها الله لنا في حق أمثالهم حيث يقول جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ