بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران/118، 119] .
فعلى الناصح لنفسه ولأمته أن يضع هذا الأمر نصب عينيه ولا ينخدع بدعاوى زائفة، أو مظاهر خادعة، أو سياسات كاذبة، ولا يغريه انسياقهم وراء ظرفٍ عابرٍ لا يتوافق أبدًا مع ما طبعت عليه نفوسهم، فيتّخذه ملاذًا ويعدّه مفازًا فيتشبث به تشبث الغريق بالقشَّة التي لن يزداد بها إلا رهقًا وغرقًا: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة/2] .
الإجماع الأول: اتفق العلماء قاطبةً على أنَّ مَن اتخذ له مرجعًا غير كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، يحلل به الحرام المجمع عليه، أو يحرم به الحلال المجمع عليه، فهو كافرٌ يجب قتاله حتى يرجع إلى الحق ويستسلم وينقاد ويذعن للدين الذي لا يقبل الله من المرء سواه، وسواء سُمي ذلك المرجعُ قانونًا، أو دستورًا، أو نظامًا، أو عرفًا، أو عادةً، أو مرسومًا، أو ياسقًا، أو غيرها، فكلُ ذلك في الحُكم سواء، فالعبرة في شرعنا بالحقائق والمسميات لا بالرسوم والأسماء، وسواء كان ذلك المرجعُ عالميًا أو إقليميًا أو محليًا أو قبليًا، ففي كل هذه الحالات لا يخرج عن كونه حكمًا جاهليًا بنص القرآن ووصفه كما قال أحكم الحاكمين: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة/50] ، فلا طريق إلى التلفيق والتوفيق فإما حكم الله الذي أوحاه لنبيه صلى الله عليه وسلم وإما حكم الجاهلية الجهلاء مهما ازَّينت وتبخترت وتطوَّرت.
قال العلامة الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله: [ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكَم المشتمل على كل خيرٍ، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستندٍ من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم اليَساق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن فعل ذلك