أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ [آل عمران/154] ، وقال عز وجل: {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران/167] ، وقال سبحانه: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح/11] ، فليكن هذا الأمر نصب الأعين، فسبحان من خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، ونعوذ بالله من حال الذين {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة/9] .
وانظر إلى الفرق الكبير بين الباحثين عن الأعذار المنقبين عنها ولو كانت أدق من رؤوس الإبر وبين الحريصين على الجهاد البكَّائين لفواته الذين وصفهم الله بقوله: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة/92] ، هذا مع أنهم مشاركين للنافرين في أجرهم رغم قعودهم بسبب عذرهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم فيه قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر] رواه البخاري ومسلم.
وقد بين الله سبحانه وتعالى حال الفريقين: الحريصين على الجهاد الجادِّين في القيام به وغيرهم ممن يفتش لنفسه عن أي شيءٍ يتعلَّق به كي لا ينفر إلى ساحاته فقال سبحانه: {لَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة/44، 45] ، قال الإمام ابن جرير -رحمه الله-: [وهذا إعلامٌ من الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم سِيمَا المنافقين: أن من علاماتهم التي يُعرفون بها تخلُّفهم عن الجهاد في سبيل الله، باستئذانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركهم الخروجَ معه إذا استنفروا بالمعاذير الكاذبة.] اهـ.
ولا أقصد بذلك أن نجعل كل ما يقال عن المجاهدين مدعاةً للطعن في نيات الأشخاص وتكلُّف معرفة الغيوب، فليس هذا من شأننا ولا نحن بطالبين له أو مطالبين به، وإنما علينا أن نضع تلك الشبهات التي تدعو إلى الكفِّ عن الجهاد وتقيم العقبات تلو العقبات لمنع النفير إلى ساحاته في دائرة (التهمة) والتشكيك والحذر ليضعُف أو يبطل أثرها اتباعًا لمسلك القرآن الكريم في رد تلك الشبه التي صاحبت الغزوات ولاصقت مسيرة الجهاد زمَنَ النبي