تحقيرهم والغلظة عليهم، فكيف يأمر بعد هذا كله بقبولهم أولياء يأمرون وينهون، ويوقرون ويعظمون؟!!!
وهذا يبين لك ما يزل فيه كثيرٌ من الناس المفتونين بثقافة الغرب والمتضلعين من أفكاره والمقتفين لآثاره وبعض ما جاراهم من الإسلاميين من وصفهم لِمن خلع ربقة الإسلام من عنقه من الحكام الكفرة بأنهم الرؤساء الشرعيون، أو أنهم وصلوا إلى الحكم بطريقة شرعية، أو هم ولاة الأمر المعتبرون، أو أنهم استحقوا هذا المنصب باختيار الشعب، أو لاعتراف (المجتمع الدولي) بهم، وغير ذلك من الأوصاف التي تدل على إثبات صفة الشرعية لهم وهي التي نزعت منهم ورفعت عنهم من حين وقوعهم في الكفر الأكبر المستبين.
ففرقٌ بين العزل والانعزال، فالأول يقتضي تكلفًا وعملًا واجتهادًا من قبل المسلمين لإزاحة الحاكم الكافر من منصبه وإقصائه عن ولايته فلا تبقى له يدٌ في إدارتها وتسييرها وفعله متعدٍ، وأما الانعزال فمن معانيه عدم بقاء الصفة الشرعية للولاية في حق الكافر المتغلب، بمعنى أنه لم يعد واليًا -ولو مع وجوده وقوته وتمكنه- يستحق شيئًا من حقوق الولاية، لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا وفعله فعل مطاوعة لازم.
الثاني: وهو ما يترتب على هذا (الانعدام الشرعي) أو الانعزال الذي حصل للمتولي الكافر، وذلك وجوب القيام عليه وخلعه وتنصيب إمامٍ للمسلمين يقوم مقامه وهو ما عبر عنه الأئمة بقولهم فيما نقلناه آنفًا: (وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَام عَلَيْهِ، وَخَلْعه وَنَصْب إِمَام عَادِل) ، فهذا الحكم الشرعي مبنيٌ ومعلَّلٌ بالأمر الأول وهو وقوع الحاكم في الكفر.
ومعلومٌ أن الأئمة متفقون على وجوب تنصيب إمام للمسلمين يأمن سبلهم ويحفظ بيضتهم ويقيم فيهم أحكام الملة، كما قال الإمام القرطبي -رحمه الله- عند قول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة/30] قال: [هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه] (تفسير القرطبي: 1/ 264) .
وهذا الحكم يتأكد إن كان منصب الإمامة قد تغلب عليه حاكمٌ كافرٌ وذلك لعظم المفسدة التي تترتب على بقائه وتحكمه، ففرقٌ بين شغور منصب الإمامة شغورًا حقيقيًا لعدم مَن يقوم