كنت مرة أضرب مثلًا طريفًا، الماء الذي يستخدمه الناس في النزهات له فتحة علوية وله صنبور سفلي, فالذي تضعه في الفتحة العلوية هو الذي تأخذه من الصنبور السفلي، فالإنسان أخطر شيء في حياته مصادر التغذية الثقافية، طالب علم يسمع يوم الاثنين، يوم الأحد، يوم السبت، يوم الجمعة في الخطبة، ببيته يقرأ كتابًا، كل مصادره الثقافية عن الحق، وعن الدين، وعن السنة، وعن الصحابة, إذا أحب أن يتكلم, فماذا يقول؟ يتكلم الحق، أما إذا أحضرت إنسانًا آخر تغذيتُه الثقافية أخبار الفنانين والفنانات مثلًا، والمسلسلات والأعمال الفنية الرخيصة والساقطة، والمجلات التي تغذي عقول الناس، هذا الإنسان الذي تلقى هذه الثقافة لو أحب أن يتكلم, فماذا يقول؟ كما لو أنك وضعت في فتحة هذا الوعاء صنبورًا لم يعطِكَ إلا الذي وضعت فيه.
ينبغي على الإنسان أن يتزود بمعين صافي نقي لا تعكره الشوائب:
كنت أقول لكم دائمًا: أنت في حياتك شئت أم أبيت ثلاثة أشخاص, واحد منهم هو أنت، شخصية تكونها، وشخصية تتمنى أن تكونها، وشخصية تكره أن تكونها، قل لي: ما الشخصية التي تتمنى أن تكونها؟ أقل لك: من أنت؟ لا يوجد إنسان قبل أن ينام إلاّ ويتصور شخصًا ما، فالباعة يتصورون أنهم تجار كبار، والمحامي الناشئ يتصور محاميًا قديم، والطبيب الناشئ يتصور نفسه طبيبًا قديمًا، كل واحد بحسب حرفته، وبحسب منبته الطبقي يتصور شخصًا أعلى منه.