سيدنا عمر حينما توجه إلى بلاد الشام، واقترب من مشارفها، وقد خرج أهلها لاستقباله، فيلقاهم رجل في الطريق، قد امتطى جملًا، يجلس فوق غطاء من صوفٍ خشن، وقد دلى رِجليه من شعبتي رحله، بلا وجافٍ، ولا ركاب، يلبس قميصًا من قطنٍ، كثير الثقوب، كثير الرقاع، لما خف أهل الشام لاستقبال عمر في الطريق رأوا رجلًا على ناقة فقيرة، ويقبل الناس على هذا الرجل، ويقولون: أين أمير المؤمنين؟ ألم تلق موكبه في الطريق؟ فيجيبهم: أمير المؤمنين أمامكم، لم يقل: بمقابلكم، قال: أمامكم فيغضون السير إلى الأمام، حتى يأتيهم الخبر من ورائهم بعد حين أن أمير المؤمنين قد وصل أيلة، ونزل بها فيعودون مهرولين، ويدخلون على أمير المؤمنين حيث كان يجلس مع الناس، وتكاد تصعقهم المفاجأة، فما أمير المؤمنين إلا الرجل الذي لقيهم يمتطي ناقة، والذي سألوه عن أمير المؤمنين، فقال: إنه أمامكم، وهو يقصد نفسه، هم فهموا (أمام) ، ومشوا إلى الأمام، ووصل إلى أيلة، ولما دخلوا عليه رأوا الرجل نفسَه.
ويؤتى له ببرذون، عليه سرجٌ جميل، ورحلٌ أنيق، بحسب مقامه كخليفة، فيرفض ركوبه، ويقول: نحوا عني هذا الشيطان، فإذا قيل له: إن هذه بلاد لا تصلح فيها الإبل، ثم يركب البرذون، ولكن بعد أن جردوه من كل حلية وزخرف، ووضع مكانهما الكساء من الصوف، الذي كان يتخذه غطاء له إذا ركب، ووسادة ينام عليها إذا نزل.
وفي رحلته الأولى إلى الشام يلقاه على أبواب مدينة القدس قادة جيشه وأمراؤه، ممتطين صهوات الخيل، وقد تمنطقوا بحللٍ من الديباج، فلا يكاد عمر يرى المشهد حتى ينزل من فوق دابته سريعًا، ويده على الأرض تأخذ من طوبها وحصاها، ويرمي الأمراء والقادة، ثم يقبل عليهم قائلًا: سرعان ما فُتنتم، أبهذا الزي تستقبلون عمر؟ سرعان ما ندَّت بكم البطنة والترف، وأنتم الذين لم تشبعوا إلا من عامين.