مرة كان يمشي في طرق المدينة, وقد رأى غلمانًا صغارًا يجتمعون، وكان صاحب هيبة شديدة، فلما رأوه تفرقوا، وقال حينما وصل إلى واحدٍ منهم، وهو سيدنا عبد الله بن الزبير قال: يا غلام, لمَ لم تهرب مع من هرب؟ قال: أيها الأمير، لست ظالمًا فأخشى ظُلمك، ولست مذنبًا فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك.
النبي عليه الصلاة والسلام ترك أبطالًا، ما اجتمعت البطولة في عصر كما اجتمعت في عهد النبي, والعهد الذي جاء بعد عهد النبي، شيء لا يصدق طفل صغير يقف أمام خليفة ويقول له: أيها الأمير, لست ظالمًا فأخشى ظلمًا, ولست مذنبًا فأخشى عقابك, والطريق يسعني ويسعك.
سيدنا عمر كان خليفة للمسلمين وإمامًا لهم، فتح الله له فتحًا مبينًا، حتى هابته ملوك الأرض، وتدحرجت عند قدميه تيجانها، وجرت بين يديه الأموال كالأنهار.
زاره وفد من العراق، ومعه الأحنف بن قيس، فيفاجؤون به، والحر شديد، والصيف قائظ، وهو منهمكًا في تطبيب بعيرٍ من إبل الصدقة، يطليه بالقطران، ثم لا يكاد أن يرى ضيوفه، وفيهم الأحنف حتى يناديه: ضع ثيابك يا أحنف، وهلم فأعن أمير المؤمنين على هذا البعير.
استغرب سيدنا الأحنف، وكان تابعيًّا، فإنه من إبل الصدقة وفيه حق للأمة والمسكين واليتيم، فيقول له رجل من الوفد، وقد أذهلته المفاجأة: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين، إن عبدًا من عبيد الصدقة يكفيك هذا الأمر، فهذا ليس عملك، فيجيبه عمر: وأيُّ عبدٍ أعبد مني، ثم يستأنف تطبيب البعير.
مع كلِّ هذه العظمة، كان بهذا التواضع، وهذه الخدمة، وهذا الحرص، وتلك الخشية من الله عزَّ وجل.
يأبى عمر زخارف الدنيا وزينتها: