أي إن جئتني بضيف, ومكنتني من إكرامه, فأنت حر، فبعضهم يوقد النيران الشاهقة في الليل كي يستدل بها الضيوف على مكان القِرى والإكرام، والعرب في الجاهلية كانوا يكرمون الضيف، وينصرون المظلوم، ويعينون على نوائب الدهر فلديهم مكارم أخلاقية حقًا.
أيها الأخوة, العرب في الجاهلية كانت لهم أشهر حرم، أنا لا أنسى أنه كانت لهم نواقض كثيرة، لكن هناك مكارم أخلاق رغم الجاهلية التي كانوا يعانون منها
"خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا".
(أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح)
ففي هذه الأشهر الحرم تتحوّل السيوف إلى أغصان، وتتوقف الحروب، ويتوقف سفك الدماء، هذه ميزة كانت عندهم، بينما نسمع الآن أن الحرب دامت ثلاثة عشر عامًا, وحروب أهلية لا تبقِي ولا تذر.
موقف العلماء من الرؤيا التي رآها الصديق في منامه:
كان الصدِّيق عليه رضوان الله في قِمَّة هذه النماذج التي عاشت في الجاهلية، والتي جاءها الإسلام، وهي على نقاء فطري، هذا الصحابي الجليل كما قلت لكم: لم يشرب خمرًا, ولم يعبد صنمًا, وكان في مخيلته تساؤل كبير عن الحق الذي يعد شفاء للنفوس, كان مرة في بلاد الشام في عمل تجاري، وقبل أن يغادر الشام إلى بلده مكة رأى رؤيا، رأى قمرًا قد غادر مكانه في الأفق الأعلى، ونزل على مكة حيث تجزأ إلى قطع وأجزاء، تفرقت في جميع منازل مكة وبيوتها, ثم تضامنت هذه الأجزاء مرة أخرى، وعاد القمر إلى كيانه الأول، واستقر في حجر أبي بكر، صحا هذا الصديق من نومه، وقد رأى هذه الرؤيا، فسار إلى أحد الرهبان المتقين الذين ألفهم، وعقد معهم صلات بالشام، وقص عليه الرؤيا، فتهلل وجه الراهب الصالح، وقال لأبي بكر: لقد أهلَّتْ أيامُه، قال: من تعني؟ قال: النبي الذي يُنتَظَر، ويجيبه الراهب: نعم، وستؤمن معه، وستكون أسعد الناس به.