الصفحة 274 من 371

أبو سفيان الذي حارب النبي عشرين عامًا في أثناء هذه الفترة الطويلة، بعد صلح الحديبية ونقض قريشٍ لهذا الصلح، وتهيؤ النبي لقتال قريش، خاف القرشيّون أن يغزوهم النبي عليه الصلاة والسلام، فذهب أبو سفيان بنفسه إلى المدينة المنورة ليطيِّب قلب النبي وليعيد العمل بوثيقة صلح الحديبية، وليجدده، فدخل على ابنته أم حبيبة، وكانت إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، فأبت ابنتُه أن تُجلسه على فراش رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان مبسوطًا في فناء حجرتها ساعة دخوله، فطوته عنه، ولما عاتبها في صنيعها, بقوله:"أضننتِ به عليّ، أم ضننتِ عليه بي؟ قالت: إنك مشرك، وفراش رسول الله عله الصلاة والسلام لا يطأه مشرك".

فهذا الانتماء العظيم، وعاد إلى مكة خائب المسعى، جلس يحدث قريشًا عن محاولته، فقال فيما قال:"جئت ابن أبي قحافة فلم أجد منه عونًا، وجئت ابن الخطاب فوجدته أعدى العدو, لقد قال لي: أأنا أشفع لكم عند رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، وجئت عليًا فوجدته ألين القول", فكل صحابي له موقف, وهذا الموقف مبرر, وهذا الموقف له وجهة نظر.

أذكر مرة أن سيدنا عثمان بن عفَّان كان في حضرته رجل فدخل إنسان إليه, وسأله حاجة أعطاه إياها، فبكى هذا الرجل، قال:"ما يبكيك؟ قال: الله الله تغير الزمان، كنت في عهد عمر، وسألته هذه الحاجة، فأبى أن يعطيها، فسيدنا عثمان غضب, وقال: أنا أعطيت لله, وعمر منع لله", يعني اجتهادات.

فنحن إذا وجدنا خلافًا طفيفًا في مواقف الصحابة، فعلينا أن نأول هذا الاختلاف باجتهاد، وكل مجتهد له من اجتهاده نصيب، والمجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ له أجر، وأنت دائمًا إذا رأيت موقفًا من أخيك لم تجد له تفسيرًا مقبولًا, قل: لقد اجتهد، لعله اجتهد فلم يصب، برئ نيتك من السوء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت