الصفحة 72 من 297

ولعلنا كأطباء هنا، لا نملك إلا أن نفرق بين التداوي بالدواء، وبين الرقى الشرعية؛ وإن كان كلاهما مما جعله الله من الأسباب التي يتم الشفاء من المرضى بها. وفى هذا روى الإمام الترمذي أن سائلًا سأل رسول الله صلىالله عليه وسلم فقال:"يا رسول الله أرأيت رقية نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها؛ هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هي من قدر الله" (1) .

وبرأيي أن الفرق بينهما فرقا بين الكرامة والسنن، فإن التداوي الطبي المادي يصيب سننا ثابتة أوجدها الله في صلب الخلق، وبالتالي يغلب على هذه السنن التفاعل مع الدواء. أما الرقية فهي كرامة يهبها الله سبحانه وتعالى لمن يشاء، فتُحقق الشفاء بدون أسباب ظاهرة لنا. وقد وصف علماء المادة العلم الدوائي بأنه إلزام وجوب تحقيق النتيجة وتكرارها بإيجاد المؤثر. فإذا وضعت مغناطيسًا بجانب إبرة، فيجب أن ترتفع الإبرة إلى هذا المغناطيس. وإذا سلطت إشعاعًا في مستوى معين على الجلد، فيجب أن يحمر هذا الجلد. ولو كررت هذه العملية مئات المرات لحصلت هذه الاستجابة بشكل قطعي في كل مرة. فهذه السنن الثابتة التي تخضع لمعايير المادة، والتي خلقها الله بداخل الإنسان أو في الطبيعة هي لب الحضارة المادية. وهي التي نجد فيها قصورًا كبيرًا بين المسلمين للأسف الشديد. فهذا العلم المادي فيه أسرار عظيمة ما جهل منه أكبر مما علم. وطرق معرفته لا تتم إلا بالجهد والانشغال به.

لهذا تجد أن باع المسلمين فيه قليل لأسباب كثيرة ومتنوعة…

(1) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب الرقي والأدوية ح (2072) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ح (3437) . وأحمد في مسنده (3/421) . قال الهيثمي في المجمع (5/85) : رواه الطبراني والحرث لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح غير أبي خرابة. وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجة ح (749) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت