ولذلك عندما ناقش الجويني قول القائلين بخلع الإمام أو انْخلاعه - تلقائيًا - بالفسق الطارئ، داعمًا ما ذهب إليه من أن الفسق الطارئ لا يوجب ذلك، وأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، استدلّ بما استقصاه من التجربة والخبرة في علوم الاجتماع الإنساني وسرّ النفس البشرية وميولها وسيرتها الظاهرة والباطنة، وهي أمور أشارت إليها النصوص جملةً؛ ولكن كشْف المؤثر منها في عظائم الأمور وصغائرها، لا يُلفى فيها على التخصيص، ولا يستقى منها على التفصيل، فيلتمس من مجاري العادات وإشارات النظر العقلي بأدواته التي تؤدي إلى فقه النفس، من تجربة مستقيمة، وحدس قويم، وطبع سليم، وأدب متزن، وحكم مستأثرة، ومقالات مستحسنة. فلنستمع إلى الجويني كيف يستدل ويعلل، يقول:"المصيرُ إلى أن الفسق يتضمن الانعزال والانْخلاع بعيدٌ عن التحصيل، فإن التعرض لما يتضمَّن الفسق في حق من لا تجب عصمته ظاهر الكون سرًا وعلنًا، عام الوقوع ... والجبلات داعية إلى اتباع اللذات، والطباع مسحثَّة على الشهوات، والتكاليف متضمنها كُلَف وعناء. ووساوس الشيطان وهواجس نفس الإنسان متظافرة على حب العاجل واستنجاز الحاصل. والجبلة بالسوء أمَّارة، والمرء على أرجوحة الهوى تارةً وتارة ... ومن شُغْل الإمام عقد الألوية والبنود، وجرُّ الجنود، ولا يترتب في ديوان المقاتِلة إلا أولو النجدة والبأس، وأصحاب النفوس الأبية ذوو الشراس والشماس. فليت شعري كيف السلامة من معرَّة الجند، وكيف الاستقامة على شرط التقوى في الحل والعقد؟ ومن شأنه أيضًا تفريق الأموال ... ولا يخفى على منصفٍ أن اشتراط دوام التقوى يجرُّ قصاراه عسرَ القيام بالإيالة العظمى ... فلا يبقى لذي بصيرة إشكال في استحالة استمرار مقاصد الإمامة مع المصير إلى أن الفسق يوجب انْخلاع الإمام أو يسلِّط خلعه على الإطلاق" (1) .
(1) الجويني، الغياثي، ص 272 - 274.