ففي هذا الحديث تقوية للآمال، ورفع للهمم، وحب للقوة والشجاعة، وترك للفتور والخور أو انتظار مقتضيات اليأس والإحباط، ودفع محاولة تبرير اليأس والقنوط، فالمؤمن الأقوى في كل الأمور: في الإيمان، في العلم والعمل، في مجابهة الأمور، في المخالطة والعزلة، في كل شؤونه، يعد مؤمنًا ذكيًا قويًا يستطيع - بعون الله- أن يخرج من كثير من المشاكل والأزمات .. لا كما يفعله كثير من ضعفاء الإيمان -مع أن فيهم خيرًا- من تبرير الفشل والكسل والعجز بمسوغات إنما هي خروج عن حقيقة الأمور .. إن المؤمن القوي يحرص على ما ينفعه دومًا لا يخاف دون الله أحدًا .. ثم هو مع ذلك الإقدام قد يصاب بمصيبة .. لكنه لا ييأس ولا يصاب بالإحباط بل يزيد إقدامه، ويقول عن تلك الأقدار والمصائب: قدر الله وما شاء فعل ..
الله أكبر! ما أعظمها من كلمات لو تدبرهن عاقل .. إنه تفويض للأمور وإرجاع لها إلى باريها ..
يا معشر الدعاة .. يا معشر المربين .. ويا معشر العاملين في ساحة الإسلام: الله الله بالتفاؤل والأمل، فإن ما ترونه اليوم من كيد أعداء الإسلام ليس إلا سحابة سوداء سوف تنجلي عن قريب .. واعلموا أن ما أصاب الأمة من فتور وخور وترك مسايرة الركب والسبق به، إنما جاء من حصول إحباط ويأس استولى على القلوب .. فصححوا المفاهيم وأمِّلوا الأمة بالخير ... أخي المسلم: لا تيأس فالنصر قادم أما تؤمن بقول الله -تعالى-: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (33) سورة التوبة ويقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: (( .. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ) ).. رواه البخاري ومسلم.
أيها المسلمون: ليس اليأس ولا التطير ولا التشاؤم من طبع المؤمن؛ لأن المؤمن يحسن الظن بالله -عز وجل- ويتوكل عليه، ويؤمن بقضائه وقدره، وقد ورد في الصحيح: (( يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب) ثم بينهم فقال: (هم الذي لا يسترقون ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون ) )متفق عليه. والرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يتفاءل ولا يتطير ويعجبه الاسم الحسن) كما روى ذلك الإمام أحمد وغيره وهو حديث صحيح.
فلم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- ييأس من شيء، بل كان دائم التفاؤل والاستبشار بتوفيق الله -عز وجل- .. حين يتعامل المؤمن مع الأحداث الهائلة التي تحصل له بمثل هذه الروح الزكية القوية، فإن الشدائد تتصاغر في حسه مهما عظمت، ويتولد في نفسه نوع من اللقاح الذي يعينه على مواجهة الشدائد والصعاب، ويوجهه للتعامل معها بواقعية بحيث يضع الأمور في نصابها، من دون تهويل ولا مبالغة.
أيها المسلمون: من العلل والأمراض النفسية المتفشية في كثير من الناس اليأس والجزع والحزن عند المصيبة، والفرح والبطر عند إقبال الدنيا! ويعود السبب إلى أن معظم البشر لا يضعون الأمور في نصابها، بل يميلون إلى التهويل والمبالغة في التعامل مع المشكلات، وقد صور القرن الكريم هذه الحالة في عدد من الآيات، منها قوله -تعالى-: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا} (83) سورة الإسراء. وقوله -تعالى-: لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن