لِلصَّحِيحِ تَغْلِيبُ خَوْفِهِ عَلَى رَجَائِهِ وَالْأَظْهَرُ فِي الْمَجْمُوعِ اسْتِوَاؤُهُمَا لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مَعًا. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ إنْ أَمِنَ دَاءَ الْقُنُوطِ فَالرَّجَاءُ أَوْلَى أَوْ أَمِنَ الْمَكْرَ فَالْخَوْفُ أَوْلَى أَيْ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا اسْتَوَيَا وَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَيْ الْإِرْشَادِ كَأَصْلِهِ وَالرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ أَنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي لَيْسَ بِمُحْتَضِرٍ كَالصَّحِيحِ وَالْأَوْجَهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ مِنْ أَنَّ الْمَرِيضَ غَيْرَ الْمُحْتَضِرِ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ وَعِبَارَتُهُ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمَرِيضِ وَمَنْ حَضَرَتْهُ أَسْبَابُ الْمَوْتِ وَمُقَدِّمَاتُهُ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى انْتَهَتْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَبِهَا مَعَ مَا سَبَقَ عَنْ الزَّوَاجِرِ يُعْلَمُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي مَقَامَيْنِ أَحَدُهُمَا شَخْصٌ يَجُوزُ وُقُوعُ الرَّحْمَةِ لَهُ وَالْعَذَابُ فَهَذَا هُوَ الَّذِي تَعَرَّضَ لَهُ الْفُقَهَاءُ فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا نُدِبَ لَهُ تَغْلِيبُ جَانِبِ الرَّجَاءِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا اخْتَلَفُوا فِيهِ كَمَا رَأَيْتَ. ثَانِيهِمَا فِي شَخْصٍ آيِسٍ مِنْ وُقُوعِ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الرَّحْمَةِ لَهُ مَعَ إسْلَامِهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَلَامُ الزَّوَاجِرِ فِيهِ فَهَذَا الْيَاسُ كَبِيرَةٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَ النُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا. ثُمَّ هَذَا الْيَاسُ قَدْ تَنْضَمُّ إلَيْهِ حَالَةٌ أَشَدُّ مِنْهُ فِي التَّصْمِيمِ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ الرَّحْمَةِ لَهُ وَهُوَ الْقُنُوطُ بِحَسْبِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ فَهُوَ يَئُوسٌ قَنُوطٌ وَتَارَةً يَنْضَمُّ إلَيْهِ أَنَّهُ مَعَ عَدَمِ رَحْمَتِهِ لَهُ يُشَدِّدُ عَذَابَهُ كَالْكُفَّارِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِسُوءِ الظَّنِّ هُنَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْته عَنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِحْسَانِ الظَّنِّ الْمَنْدُوبِ أَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يَرْحَمُهُ وَمِنْ الرَّحْمَةِ أَنَّ اللَّهَ يُوَفِّقُهُ لِلْخَيْرِ وَأَنْ يُعْطِيَهُ مَا يَسْأَلُ مِنْهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا أَوْ الْآخِرَةِ وَإِنَّ الْإِنْسَانَ إذَا رَأَى أَحْوَالَهُ غَيْرَ جَارِيَةٍ عَلَى سُنَنِ الِاسْتِقَامَةِ فَاشْتَدَّ الْخَوْفُ عِنْدَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَخَشِيَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى قَبَائِحِهِ مَعَ تَجْوِيزِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يَعْفُو عَنْهُ وَيَغْفِرُ لَهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بَلْ هُوَ مِنْ الْحَالَاتِ الْكَامِلَةِ وَالْأَحْوَالِ الْفَاضِلَةِ فَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم {أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاَللَّهِ وَأَخْوَفُكُمْ مِنْهُ} . وَوَرَدَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَبَقِيَّةِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَوْفِ مَا يُفَتِّتُ الْكَبِدَ وَيُذِيبُ الْجِلْدَ وَلِذَلِكَ جَرَى جَمَاعَةٌ أَجِلَّاءُ عَلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الْخَوْفِ عَلَى جَانِبِ الرَّجَاءِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مَا دَامَ تَرْجِيحُهُ بَاقِيًا كَانَ حَامِلًا عَلَى اجْتِنَابِ الْمَعَاصِي وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ مَا لَا يَنْبَغِي بِخِلَافِ تَرْجِيحِ جَانِبِ الرَّجَاءِ فَإِنَّهُ غَالِبًا يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى اقْتِرَافِ النَّقَائِصِ خَلَّصَنَا اللَّهُ مِنْهَا وَوَفَّقَنَا لِطَاعَتِهِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَأَدَامَ عَلَيْنَا رِضَاهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ إلَى أَنْ نَلْقَاهُ آمِينَ.
وفي الزواجر له:
وَمِنْهَا: مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَنْفَعُ عِنْدَ الْغَرْغَرَةِ , وَلَا عِنْدَ مُعَايَنَةِ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ.
قَالَ تَعَالَى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} نَعَمْ. يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ قَوْمُ يُونُسَ لقوله تعالى: {إلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِينٍ} بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ , وَأَنَّ إيمَانَهُمْ كَانَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ , وَهُوَ قَوْلٌ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ , وَعَلَيْهِ فَوَجْهُ اسْتِثْنَائِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ كَرَامَةً وَخُصُوصِيَّةً لِنَبِيِّهِمْ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا. أَلَا تَرَى أَنَّ نَبِيَّنَا صلى الله عليه وسلم قَدْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِحَيَاةِ أَبَوَيْهِ لَهُ حَتَّى آمَنَا بِهِ , كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ , وَابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ حَافِظُ الشَّامِ وَغَيْرُهُمَا