بِرَجَاءٍ بَلْ أَمْنِيَّةٌ وَاغْتِرَارٌ مَذْمُومٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} كَمَا قَالَ الْكَرْخِيُّ رَجَاءُ الْجَنَّةِ بِلَا عَمَلٍ ذَنْبٌ مِنْ الذُّنُوبِ وَرَجَاءُ الشَّفَاعَةِ بِلَا سَبَبٍ نَوْعٌ مِنْ الْغُرُورِ وَرَجَاءُ رَحْمَةِ مَنْ لَا يُطَاعُ جَهْلٌ وَحُمْقٌ قَالُوا الرَّجَاءُ مَعَ الْإِصْرَارِ كَطَلَبِ النَّارِ مِنْ الْجَمْرِ كَمَا فِي حَدِيثِ {الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ} وَقَالَ الْحَسَنُ إنَّ قَوْمًا أَلْهَتْهُمْ أَمَانِيُّ الْمَغْفِرَةِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ الدُّنْيَا بِلَا حَسَنَةٍ بِاعْتِقَادِ حُسْنِ الظَّنِّ وَهُوَ كَاذِبٌ فِيهِ فَلَوْ صَادِقًا لَأَحْسَنَ الْعَمَلَ وَتَلَا قوله تعالى {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ} كَتَبَ أَبُو عُمَرَ إلَى بَعْضِ إخْوَانِهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّك قَدْ أَصْبَحْت تَامُلُ بِطُولِ عُمْرِك وَتَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْأَمَانِيَ بِسُوءِ فِعْلِك وَإِنَّمَا تَضْرِبُ حَدِيدًا بَارِدًا. (وَ) زَادَ (فِي رِوَايَةٍ م {وَأَخَّرَ اللَّهُ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ) وَالْمُرَادُ بِمِثْلِ ذَلِكَ التَّمْثِيلِ لِيُفْهَمَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْقِسْطَيْنِ مِنْ الرَّحْمَةِ لِأَهْلِ الدَّارَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ السَّالِكَ الْعَارِفَ لَا يَغْتَرُّ بِظَاهِرِ مِثْلِ هَذِهِ النُّصُوصِ بَلْ لَا يَتْرُكُ الْعَمَلَ كَمَا فِي قوله تعالى - {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} - ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنْ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ لَا يَكُونُ بِدُونِ الْآخَرِ لِأَنَّ الرَّجَاءَ بِلَا خَوْفٍ أَمْنٌ وَالْخَوْفَ بِلَا رَجَاءٍ قُنُوطٌ قَالُوا هُمَا كَزَوِّجِي الْمِقْرَاضِ وَجَنَاحَيِّ الطَّيْرِ إذَا اعْتَدَلَا طَارَ وَإِذَا زَادَ أَحَدُهُمَا يَطِيرُ تَامًّا وَإِذَا ذَهَبَا بِالْكُلِّيَّةِ صَارَ كَالْمَيِّتِ وَقَالَ صلى الله تعالى عليه وسلم {إنَّمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَرْجُوهَا وَإِنَّمَا يَنْجُو مِنْ النَّارِ مَنْ يَخَافُهَا} (م. عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله تعالى عنه حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَوْتَهُ لَيْسَ بِالشَّهَادَةِ كَمَا قِيلَ إنَّهُ اُسْتُشْهِدَ فِي نَاحِيَةِ إسْلَامْبُولَ فِي مَعْرَكَةٍ حِينَ جَاءَ مَعَ يَزِيدَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ رضي الله تعالى عنه فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَاتَ مَبْطُونًا فِي ذَلِكَ الْعَسْكَرِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ (أَنَّهُ قَالَ كُنْت كَتَمْت عَنْكُمْ حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ) أَيْ أُخْبِركُمُوهُ وَأَصْلُ سَوْفَ لِاسْتِقْبَالِ الْبَعِيدِ وَالْوَقْتُ هُنَا ضَيِّقٌ فَلِتَحْقِيقِ الْوَعْدِ كَمَا قِيلَ لَعَلَّ وَجْهَ الْكَتْمِ وَهْمُ اغْتِرَارِ الْعَوَّام بِظَاهِرِهِ فَيَضْعُفُوا فِي الْعَمَلِ وَوَجْهَ الْإِخْبَارِ أَنَّهُ مَامُورٌ بِالتَّبْلِيغِ أَوْ لِأَنَّ هَذَا الْوَهْمَ قَدْ زَالَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَوْ مَنْ أَخْبَرَهُمْ هُمْ الْخَوَاصُّ أَوْ قَدْ خَرَجَ مِنْ خَاطِرِهِ فَخَطَرَ بِبَالِهِ عِنْدَ دَوَاعِي هَوْلِ الْمَوْتِ بِمُلَاحَظَةِ دَوَاعِي الرَّحْمَةِ (وَقَدْ أُحْبِطَ بِنَفْسِي) بِمَجِيءِ الْمَوْتِ (سَمِعْته يَقُولُ {لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ} ) أَيْ أَذَهَبَكُمْ ( {وَخَلَقَ خَلْقًا يُذْنِبُونَ} ) لِيَتَحَقَّقَ مَظْهَرُ صِفَةِ الْغُفْرَانِ ( {فَيَغْفِرُ لَهُمْ} ) قَالَ فِي الْمَبَارِقِ لَيْسَ هَذَا تَحْرِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى الذُّنُوبِ بَلْ كَانَ صُدُورُهُ لِتَسْلِيَةِ الصَّحَابَةِ وَإِزَالَةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ عَنْهُمْ لِأَنَّ الْخَوْفَ كَانَ غَالِبًا عَلَيْهِمْ حَتَّى فَرَّ بَعْضُهُمْ إلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ لِلْعِبَادَةِ وَبَعْضُهُمْ اعْتَزَلَ النِّسَاءَ وَبَعْضُهُمْ النَّوْمَ وَفِي الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى رَجَاءِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ وَتَحْقِيقُ أَنَّ مَا ثَبَتَ فِي عِلْمِهِ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنْ يَغْفِرَ لِلْعَاصِي فَلَوْ قُدِّرَ عَدَمُ عَاصٍ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ يَعْصِيهِ فَيَغْفِرُ لَهُ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {قَالَ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ لَوْ عَلِمَ عَبْدِي أَنِّي لَذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْت لَهُ وَلَا أُبَالِي مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا} انْتَهَى قَوْلُهُ لِتَسْلِيَةِ الصَّحَابَةِ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْأَمْرِ كَذَلِكَ فِي الْوَاقِعِ وَإِلَّا فَلَا كَذِبَ لِلنَّبِيِّ عليه الصلاة