فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 167

اسْتَغَاثَ بِي لَعَفَوْت عَنْهُ ثُمَّ كَيْفَ عَاتَبَ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ فِيمَا رُوِيَ أَنَّهُ {دَخَلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ فَرَأَى قَوْمًا يَضْحَكُونَ فَقَالَ لِمَ تَضْحَكُونَ لَا أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ حَتَّى إذَا كَانَ عِنْدَ الْحَجَرِ رَجَعَ إلَيْهِمْ الْقَهْقَرَى فَقَالَ جَاءَنِي جَبْرَائِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَك لَا تُقَنِّطْ عِبَادِي مِنْ رَحْمَتِي نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ {لَلَّهُ أَرْحَمُ بِالْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ الْوَالِدَةِ الشَّفِيقَةِ بِوَلَدِهَا} (دُنْيَا. عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم {لَيَغْفِرَنَّ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْفِرَةً} ) عَظِيمَةً أَوْ كَثِيرَةً ( {مَا خَطَرَتْ قَطُّ عَلَى قَلْبِ أَحَدٍ} ) لِغَايَةِ الْكَثْرَةِ وَنِهَايَةِ الْجَلَالَةِ عَلَى أَصْحَابِ الْإِجْرَامِ وَالْقَبَائِحِ ( {حَتَّى إنَّ إبْلِيسَ} ) مَعَ غَايَتِهِ فِي الْجِنَايَةِ وَعِرْفَانِهِ بِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ مِنْ الرَّحْمَةِ أَبَدَ الْآبِدِينَ ( {لَيَتَطَاوَلُ} ) أَيْ يَمُدُّ عُنُقَهُ وَيُخْرِجُ رَاسَهُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ ( {رَجَاءَ أَنْ تُصِيبَهُ} ) قِيلَ السِّرُّ الْمَخْفِيُّ فِي قوله تعالى - {فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} - {أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِحَبِيبِهِ وَهَبْتُك ثُلُثَ أُمَّتِك فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ حَتَّى تَرَى رَحْمَتِي بِعِبَادِي وَأَهَبُ لَك الثُّلُثَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَرَى أَهْلُ الْمَحْشَرَةِ مَنْزِلَتَك عِنْدِي} (خ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم {إنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ} ) أَيْ خَلَقَ ( {كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ} ) أَيْ أَثْبَت فِي عِلْمِهِ الْأَزَلِيِّ قَالَ الْقَاضِي يَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ حَكَمَ حُكْمًا جَازِمًا وَوَعَدَ وَعْدًا لَازِمًا لَا خُلْفَ فِيهِ فَشَبَّهَ الْحُكْمَ الْجَازِمَ الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ نَسْخٌ وَلَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَغْيِيرٌ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ إذَا اقْتَضَى أَمْرًا وَأَرَادَ إحْكَامَهُ عَقَدَ عَلَيْهِ سِجِلًّا وَحَفِظَهُ لِيَكُونَ حُجَّةً بَاقِيَةً مَحْفُوظَةً مِنْ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ ( {إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي} وَفِي رِوَايَةٍ {تَغْلِبُ غَضَبِي} ) أَيْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ بِكَثْرَةِ آثَارِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ قِسْطَ الْخَلْقِ مِنْ الرَّحْمَةِ أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِمْ مِنْ الْغَضَبِ لِنَيْلِهِمْ إيَّاهَا بِلَا اسْتِحْقَاقٍ وَإِنَّ قَلَمَ التَّكْلِيفِ مَرْفُوعٌ عَنْهُمْ إلَى الْبُلُوغِ وَلَا يُعَجِّلُ لَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ إذَا عَصَوْا بَلْ يَرْزُقُهُمْ وَيَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ وَمَا تَعَلَّقَ بِالرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ فِعْلِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَضَبِ وَيُرْوَى أَنَّهُ {إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَ اللَّهُ كِتَابًا مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فِيهِ إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي فَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ شَفَعَتْ الْمَلَائِكَةُ وَشَفَعَتْ النَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيُخْرِجُ مِثْلِيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ} . وَيُرْوَى {فَيَقْبِضُ قَبْضَةً فَيَخْرُجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ} (خ م. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ قَالَ {سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم يَقُولُ جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا} ) قِيلَ التَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ وَالتَّحْقِيرِ تَعْظِيمًا لِرَحْمَتِهِ تَعَالَى (فَمِنْ) أَجْلِ ( {ذَلِكَ الْجَزَاءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ} ) أَوْ تَرَاحُمُ جَمِيعِ مَنْ فِي الْأَرْضِ يَنْشَأُ مِنْ ذَلِكَ الْوَاحِدِ فَمَحَبَّةُ الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ لِأَوْلَادِهِمَا مِنْ تِلْكَ الرَّحْمَةِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ( {حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ} ) كَالْفَرَسِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ ( {حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ} ) بِحَافِرِهَا فَيَتَوَجَّعَ. قَالَ النَّوَوِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ إذَا حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ رَحْمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي هَذِهِ إلَّا كَدَارِ الْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ وَالْقُرْآنِ وَالرَّحْمَةِ فِي قَلْبِهِ فَكَيْفَ الظَّنُّ بِمِائَةِ رَحْمَةٍ فِي الْآخِرَةِ وَهِيَ دَارُ الْقَرَارِ وَالْجَزَاءِ انْتَهَى فَتَأَمَّلْ وَلَا يَخْفِي أَنَّ فِيهِ إشَارَةً إلَى مَا فِي شَرْحِ الْحَاكِمِ مِنْ أَنَّ الرَّجَاءَ إنَّمَا يَكُونُ الِاجْتِهَادُ فِي الْأَعْمَالِ لِأَنَّ مَنْ رَجَا شَيْئًا طَلَبَهُ وَمَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْهُ. وَأَمَّا الرَّجَاءُ بِلَا عَمَلٍ وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْمَعَاصِي فَلَيْسَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت