فَيَجْعَلَ لَنَا مِنْ التِّسْعِ وَالتِّسْعِينَ الْحَظَّ الْوَافِرَ , نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يُخَيِّبَ آمَالَنَا. وَأَمَّا الْمَعَادُ فَكَمَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةُ: دَخَلْتُ مَعَ الشَّعْبِيِّ عَلَى مَرِيضٍ نَعُودُهُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يُلَقِّنُهُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , فَقَالَ لَهُ الشَّعْبِيُّ: اُرْفُقْ بِهِ , فَتَكَلَّمَ الْمَرِيضُ فَقَالَ: إنْ تُلَقِّنِّي أَوْ لَا تُلَقِّنِّي فَإِنِّي لَا أَدَعُهَا , ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّى صَاحِبَهَا. وَكَمَا رُوِيَ أَنَّ الْفُضَيْلَ دَخَلَ عَلَى تِلْمِيذٍ لَهُ مُحْتَضِرٌ وَجَلَسَ عِنْدَ رَاسِهِ وَقَرَأَ سُورَةَ (يس) فَقَالَ: يَا أُسْتَاذُ لَا تَقْرَا هَذِهِ , فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , فَقَالَ: لَا أَقُولُهَا إنِّي مِنْهَا بَرِيءٌ , وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ , فَدَخَلَ الْفُضَيْلُ بَيْتَهُ يَبْكِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْبَيْتِ , ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي النَّوْمِ وَهُوَ يُسْحَبُ إلَى جَهَنَّمَ , فَقَالَ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ نَزَعَ اللَّهُ مِنْكَ الْمَعْرِفَةَ وَكُنْتَ أَعْلَمَ تَلَامِيذِي؟ فَقَالَ: بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ أَصْحَابِي , وَبِحَسَدِي لَهُمْ , وَبِالْخَمْرِ كَانَتْ لِي عِلَّةٌ فَجِئْتُ إلَى الطَّبِيبِ وَسَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ: اشْرَبْ كُلَّ سَنَةٍ قَدَحًا مِنْ خَمْرٍ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ تَقُمْ بِكَ الْعِلَّةُ , فَكُنْتُ أَشْرَبُهُ (وَقَدْ يَتَفَاضَلُ الْعِبَادُ فِيهِمَا) بَعْضُ الْخَلْقِ أَعْظَمُ خَوْفًا مِنْ بَعْضٍ , وَالْمَلَائِكَةُ أَشَدُّ خَوْفًا وَبَعْدَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ , وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالتَّفَاضُلِ أَنْ يَكُونَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ أَعْظَمَ مِنْ خَوْفِ غَيْرِهِ وَرَجَائِهِ , وَإِلَّا فَكَوْنُ الْخَوْفِ أَوْ الرَّجَاءِ أَعْظَمَ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ , إلَّا إنْ جَازَ كَوْنُ خَوْفِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْأَنْبِيَاءِ أَعْظَمَ , وَلَيْسَ الْأَوْلِيَاءُ الَّذِينَ يَمُوتُونَ خَوْفًا بِأَشَدَّ خَوْفًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ وَلَا بِأَشَدَّ خَوْفًا , وَلَكِنْ قَوَّى اللَّهُ قُلُوبَ الْأَنْبِيَاءِ وَخَوْفُهُمْ خَوْفُ عِقَابٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إبْرَاهِيمَ عليه السلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِي أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} وَرَجَاؤُهُمْ رَجَاءُ ثَوَابٍ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاَلَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} - إلَى أَنْ قَالَ: {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} لِأَنَّ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ عِبَادَةٌ تَعَبَّدَ اللَّهُ بِهَا الْمُكَلَّفِينَ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَلَزِمَا الْمُكَلَّفَ , وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا , وَلِكَوْنِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ عِبَادَةً كَالصَّلَاةِ كُلِّفَ بِهَا مَنْ عُلِمَ مَصِيرُهُ كَالْأَنْبِيَاءِ وَبَعْضِ الصَّحَابَةِ , وَالْمُنَاسِبُ لِهَذَا أَنْ يَكُونَ خَوْفُ الْأَنْبِيَاءِ وَنَحْوِهِمْ خَوْفَ إجْلَالٍ , وَقَدْ قِيلَ: خَوْفُهُمْ خَوْفُ إجْلَالٍ وَرَجَاءِ رَحْمَةٍ. وَقِيلَ: خَوْفُ مَلَامَةٍ وَطُولِ حِسَابٍ , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلًا خَائِفِينَ خَوْفَ عِقَابٍ ثُمَّ إذَا وَصَلُوا الْحَدَّ الْمَعْلُومَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَخَافُونَ بَعْدَ ذَلِكَ خَوْفَ إجْلَالٍ , وَلَعَلَّ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ: وَلَا يَعْمَلُونَ فِيهِمَا إلَّا الْوَاجِبَ , أَنَّ الْعِبَادَ وَلَوْ تَفَاضَلُوا فِي الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَبَلَغَ أَحَدٌ فِيهِمَا مَا بَلَغَ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْحَدِّ الْوَاجِبِ لِأَنَّهُمَا وَاجِبَانِ عَلَيْهِ مَا دَامَ حَيًّا , وَلَا يَظْهَرُ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ فَهُمَا أَبَدًا فِي الْوُجُوبِ , وَذَلِكَ بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى اللَّامِ , وَأَمَّا بِتَاخِيرِهَا فَلَعَلَّ الْأَصْلَ لَا يَعْلَمُونَ فِيهِمَا حَدَّ الْوَاجِبِ فَحَرَّفَهُ نَاسِخٌ. (وَبِلَا مِيلٍ لَا يَاسٍ أَوْ أَمْنٍ) قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابٍ لَهُ سَمَّاهُ الْعَقَبَاتُ: لَقَدْ قِيلَ إنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الرَّجَاءُ صَارَ مُرْجِيًا , وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْخَوْفُ صَارَ حَرُورِيًّا , وَلَعَلَّ قَائِلَ ذَلِكَ أَرَادَ بِالْحَرُورِيِّ: أَهْلَ حَرُورَاءَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ الصِّفْرِيَّةِ لَا أَصْحَابِنَا رضي الله عنهم , لِأَنَّا لَا نَقُولُ: كُلُّ ذَنْبٍ أَوْ كُلُّ كَبِيرَةٍ شِرْكٌ كَمَا تَقُولُهُ الصِّفْرِيَّةُ , قَالَ: وَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَنْفَرِدَ الْمُكَلَّفُ بِأَحَدِهِمَا وَإِلَّا فَإِنَّ الرَّجَاءَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْخَوْفِ الْحَقِيقِيِّ , وَالْخَوْفُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الرَّجَاءِ الْحَقِيقِيِّ , وَلِذَلِكَ قِيلَ: الرَّجَاءُ كُلُّهُ لِأَهْلِ الْخَوْفِ إلَّا الْأَمْنَ , وَالْخَوْفُ كُلُّهُ لِأَهْلِ الرَّجَاءِ إلَّا الْإِيَاسَ.