وَاَلَّذِي يَجْرِي فِي النَّفْسِ خَمْسُ مَرَاتِبَ: مَرْتَبَةُ الْهَاجِسِ وَهُوَ مَا يُلْقَى فِي النَّفْسِ , ثُمَّ الْخَاطِرِ وَهُوَ مَا يَجُولُ فِيهَا بَعْدَ إلْقَائِهِ , ثُمَّ حَدِيثِ النَّفْسِ وَهُوَ تَرَدُّدُهَا بَيْنَ فِعْلِ الْخَاطِرِ وَتَرْكِهِ , ثُمَّ الْهَمِّ أَيْ قَصْدِ الْفِعْلِ , ثُمَّ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ جَازِمًا وَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِهِ دُونَ الْأَرْبَعَةِ قَبْلَهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: {إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ} قَالَ بَعْضُهُمْ مَرَاتِبُ الْقَصْدِ خَمْسٌ هَاجِسٌ ذَكَرُوا فَخَاطِرٌ فَحَدِيثُ النَّفْسِ فَاسْتَمَعَا يَلِيهِ هَمٌّ وَعَزْمٌ كُلُّهَا رُفِعَتْ سِوَى الْأَخِيرِ فَفِيهِ الْإِثْمُ قَدْ وَقَعَا وَقَالَ بَعْضٌ: هَاجِسٌ خَاطِرٌ حَدِيثٌ لِنَفْسِ ثُمَّ هَمٌّ لَا إثْمَ إلَّا بِعَزْمِ (وَإِنْ لَمْ تُطِعْكَ) النَّفْسُ (الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ) عَلَى اجْتِنَابِ فِعْلِ الْخَاطِرِ لِلْجِهَادِ بِالطَّبْعِ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ الشَّهَوَاتِ فَلَا تَبْدُو لَهَا شَهْوَةٌ إلَّا اتَّبَعَتْهَا (فَجَاهِدْهَا وُجُوبًا) لِتُطِيعَك فِي الِاجْتِنَابِ , كَمَا تُجَاهِدُ مَنْ يَقْصِدُ اغْتِيَالَك , بَلْ أَعْظَمُ لِأَنَّهَا تَقْصِدُ بِكَ الْهَلَاكَ الْأَبَدِيَّ بِاسْتِدْرَاجِهَا لَك مِنْ مَعْصِيَةٍ إلَى أُخْرَى حَتَّى تُوقِعَك فِيمَا يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ (فَإِنْ فَعَلْتَ) بِفَتْحِ التَّاءِ ذَلِكَ الْخَاطِرَ لِغَلَبَةِ أَمَّارَتِك بِالسُّوءِ عَلَيْك (فَتُبْ عَلَى الْفَوْرِ) وُجُوبًا بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ بِلَا مُهْلَةٍ لِيَرْتَفِعَ عَنْك الْإِثْمُ لِوَعْدِ اللَّهِ قَبُولَ التَّوْبَةِ فَضْلًا مِنْهُ , وَالْفِعْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَشْمَلُ الْقَوْلَ وَالِاعْتِقَادَ وَالنُّطْقَ وَيَشْمَلُ التَّرْكَ , فَإِنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ كَسْبٌ لِلْمَعْصِيَةِ. (فَإِنْ لَمْ تُقْلِعْ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ تَنْكَفَّ عَنْ فِعْلِ الْخَاطِرِ الْمَذْكُورِ (لِاسْتِلْذَاذٍ) بِهِ (أَوْ كَسَلٍ) عَنْ الْخُرُوجِ مِنْهُ أَوْ عَنْ النُّهُوضِ إلَى الْوَاجِبِ (فَتَذَكَّرْ هَاذِمَ اللَّذَّاتِ) وَهُوَ الْمَوْتُ , وَالْهَاذِمُ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ بِمَعْنَى قَاطِعٍ (وَفَجْأَةَ الْفَوَاتِ) بِالْمَوْتِ فَإِنَّ الْفَجْأَةَ بِهِ مُفَوِّتَةٌ لِلتَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الطَّاعَاتِ فَإِنَّ تَذَكُّرَ ذَلِكَ بَاعِثٌ شَدِيدٌ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَمَّا يَسْتَلِذُّ بِهِ أَوْ يَكْسَلُ عَنْ الْخُرُوجِ , قَالَ صلى الله عليه وسلم: {أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ , زَادَ ابْنُ حِبَّانَ: {فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي ضِيقٍ إلَّا وَسَّعَهُ , وَلَا ذَكَرَهُ فِي سِعَةٍ إلَّا ضَيَّقَهَا عَلَيْهِ} وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: {مَا ذُكِرَ فِي قَلِيلٍ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا كَثَّرَهُ وَلَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمَلِ إلَّا قَلَّلَهُ} (أَوْ) إنْ لَمْ تُقْلِعْ (لِقُنُوطٍ) مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ عَمَّا فَعَلْت لِشِدَّتِهِ أَوْ لِاسْتِحْضَارِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (فَخِفْتَ مَقْتَ رَبِّكَ) أَيْ شِدَّةَ عِقَابِ مَالِكِك الَّذِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِي عَبْدِهِ مَا يَشَاءُ حَيْثُ أَضَفْت إلَى الذَّنْبِ الْإِيَاسَ مِنْ الْعَفْوِ عَنْهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( {لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} ) فَإِنَّ الْإِيَاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ لِذَنْبٍ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ وَلَوْ كَانَ الذَّنْبُ شِرْكًا , فَالْإِيَاسُ مِنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنْ الشِّرْكِ أَوْ مِنْ زَلَّةِ شِرْكٍ أَعْظَمُ مِنْ الشِّرْكِ , قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ": ذِكْرُ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ وَفَجْأَةِ الْفَوَاتِ فِي عَدَمِ الْإِقْلَاعِ لِلِالْتِذَاذِ وَالْكَسَلِ , وَذِكْرُ عَدَمِ الْإِقْلَاعِ لِلْقُنُوطِ خَوْفَ الْمَقْتِ كَأَنَّهُ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي كُلٍّ أَنْسَبُ بِهِ وَإِلَّا فَيُمْكِنُ الْعَكْسُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَلْيَتَأَمَّلْ ا هـ. وَفِي التَّعْبِيرِ بِالرَّبِّ إشَارَةٌ إلَى مَزِيدِ قُدْرَتِهِ عَلَيْك , وَفِي قَوْلِنَا: يَشُدُّ , إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ الْعَفْوِ وَهَذِهِ الْمَشِيئَةُ قَدْ تَضَمَّنَهَا لَفْظُ الرَّبِّ , (وَاذْكُرْ سِعَةَ رَحْمَتِهِ) وَهِيَ سِعَةٌ لَا يُحِيطُ بِهَا إلَّا هُوَ فَاسْتَحْضِرْهَا لِتَرْجِعَ عَنْ قُنُوطِك , وَكَيْفَ تَقْنَطُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( {قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ) وَقَالَ صلى الله عليه وسلم {وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ , وَلَيْسَ هَذَا تَخْصِيصًا عَلَى الذُّنُوبِ وَلَا مُسَاهَلَةً بِهَا بَلْ"