البحث الرابع
في تحقيق حصر هذه المحتملات
قال: في [4/أ] ذلك: (إذا انتفى احتمال الاشتراك والنقل كان اللفظ موضوعًا لمعنى واحد، وإذا انتفى الإضمار والمجاز بقي اللفظ مستعملًا فيما وضع له، وإذا انتفى احتمال التخصيص بقي اللفظ مستعملًا في جملة ما وضع له، فلا يبقى خللٌ ألبتَّة) .
وهذا الحصر عليه أربعة أسئلة:
الأول: إن دليل الحصر إنما يكون بالترديد بين النفي والإثبات، وها هنا ليس كذلك، ولا يفيد الحصر؛ إذ لعله قد بقي ها هنا أمور أُخَر يقال فيها: إذا انتفى كذا وإذا انتفى كذا، ولم تذكر، بل بقيت أمور أخَر بالضرورة.
بيانه: وذلك أن هذه الاحتمالات إنما هي مخلة بالفهم بالجزم، بالمدلول، لا بظنه، فإن الظن حاصل مع الاحتمالات، وقد ذكر: أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين إلا بنفي عشر احتمالات، فذكر هذه الخمسة مع التقديم والتأخير
والمعارض العقلي وتغير الإعراب [1] ، ومعلومٌ أن هذه العشرة إنما تخلُّ باليقين لا بالظَّنِّ، فكان حقُّه أن يذكر ها هنا العشرة [2] ، ولعله يثبت الحصر أو يبطل بزيادة أمر آخر على العشرة، فعلم بأن الحصر في الخمسة باطل بالضرورة.
(1) وتمام العشرة: النسخ، ونقل اللغة.
(2) قال الإمام شرف الدين التلمساني في شرح المعالم ما نصه: (1/198 وما بعدها) :ولا يناقض ما ذكره ههنا ما عده من شروط الدلالة السمعية في كثيرٍ من كتبه، مضافًا إلى هذه الخمسة، وهي نفي النسخ والمعارض العقلي والتقديم والتأخير وصحة النقل ومعرفة العربية؛ لأن انتفاء النسخ والمعارض العقلي وصحة النقل شرط في العمل، لا في إشعار اللفظ، والخلل من عدم فهم العربية راجع إلى السامع لا إلى اللفظ؛ لأنه إذا قيل (ذكاة الجنين ذكاة أمة) برفع الثاني لم يحج إلى ذكاة في الجنين، وبنصبه على معنى أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه، فيحتاج في حله إلى ذكاةٍ تخصه، وأما التقديم والتأخير فقد بينا رجوعهما إلى المجاز في التركيب اهـ.