وقد سار الصالحون على درب الأنبياء والمرسلين عليهم السلام فتراهم يقولون: {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] .
ثالثًا: العلم بأن الهبة ليست مجرد عطاء:
فإن العطاء لا يكون هبة حتى يكون مقرونًا بطاعة وخير وبركة في الدنيا والآخرة. قال القاضي أبو بكر العربي: (( ولا تكون الهبة منه سبحانه والعطاء إلا أن يتعلق بنوع ما يكون به منعمًا محسنًا وذلك بما لا أَلَم فيه ولا ضرر فإذا كان ما يخلق ضررًا وألمًا لم تكن هبة ) ).
وهذا معنى قوله تعالى: {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] .
فقد علَّم اللَّه أولياءه كيف يسألونه الإنعام والإحسان على وجه لا يكون فيه مكر ولا استدراج، كما فعل بالكفار حين خلق لهم ومكنَّهم مما فيه ضررهم وهلكتهم (( كالذي يُرْزَق فَيَطْغَى ) )فالمرجو منه سبحانه هبة يكون مآلها كحالها، لا تنفصل ولا تتغير ولا يقترن بها ضررٌ ولا ألم.
وقد كان الأنبياء عليهم السلام يسألون ربهم تبارك وتعالى الهبات المقرونة بالمغفرة، كما قال تعالى عن نبيه سليمان عليه السلام: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا} [ص: 35] .
ونبي اللَّه زكريا عليه السلام لم يسأل مجرد الولد والذرية ولكنه سأل وليًا للَّه صالحًا؛ إذ قال: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم: 5] ، وسمعنا أن نبي اللَّه يحيى كان كثير البكاء، فقال أبوه (نبيُ اللَّه زكريا) : يا رب، إن ابني كثير البكاء، فأُوحى إليه أن هذا ما سألتَهَ. قال: سألتُ وليًّا، فقيل له: كذلك الأولياء لا يجف دمعهم.
وقد وصف اللَّه عباد الرحمن فكان من دعائهم: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74] .