فلما قسى قلبى وضاقت مذاهبى ... جعلت الرجا منى لعفوكِ سُلَّما
تعاظمنى ذنبى فلما قرنته بعفوك ... ربى كان عفوك أعظما
سابعًا: ليس كمثله شيءٌ في مغفرته
1 -فمن يغفر من الناس إنما يغفر أخطاءً دون أخرى، فقد يغفر الصغائر دون الكبائر ويعفو عن القليل دون الكثير وإذا غفر ذنبًا كبيرًا قد يتذكره لصاحبه بعد حين فيؤلمه ذلك ويثير عليه أحقاده وضغائنه مرةً أُخرى، وقد حدث مثل هذا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أسلم الرجل الذي قتل زيد بن الخطاب أخا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد كان يكره النظر إلى هذا الرجل، أما اللَّه عز وجل فإنه يغفر الذنوب جميعًا مهما عَظُمَت كما سلف في الشرح.
2 -قد يغفر الناسُ لمن أساء إليهم مضطرين إلى ذلك لمصلحة لهم عند من آذاهم أو خشية ممَّن ظلمهم أو لضعفٍ منهم.
أما اللَّه عز وجل فإنه يغفر عن عزة، فقد أخبر اللَّه عن نبيه عيسى أنه قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] .
ويعفو عن قدرة. قال تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149] .
3 -قد يغفر الناس عن جهلٍ بعظيم الجناية التي ارتُكِبَت في حقهم، فمنهم من لو علم مدى الإساءة من الجاني وتفاصيل معصيته ومكره به وترصده له لكي يظفر منه بلحظة غفلة كي يضره أو يسيء إليه أو علم ما كان يخفيه في صدره من خيانة وسوء طوية لما استطاع أن يغفر له أبدًا، أما اللَّه عزَّ وجلَّ فإنه يعلم كل شيءٍ عن معصية العصاة الظاهر من أمرهم والباطن، ومع ذلك فإنه يغفر ويرحم ويعفو ويتكرم ويتجاوز عما يعلم، وقد قال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13] ، لذلك عندما سمع الإمام أحمد بن حنبل رجلاً يقول:
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب