الصفحة 16 من 281

(( ان التفسير بيان لفظ لا يحتاج الا وجهًا واحدًا، والتأويل توجيه لفظ متوجه الى معان مختلفة الى واحد منها بما ظهر من الادلة ) ) [1] ويتوصل الى الادلة بالاجتهاد وفي فهم الالفاظ ومدلولاتها واستعمالاتها بحسب السياق، ويرى الزركشي ارتباطًا وثيقًا بين الاجتهاد والتأويل، إذ يذهب الى ان ما يرجع الى اجتهاد العلماء هو الذي يغلب عليه اطلاق التأويل، وهو صرف اللفظ الى ما يؤول اليه، فالمفسر عنده ناقل والمؤول مستنبط [2] ، والاستنباط قائم على جهد عقلي يبذله المؤول للوصول الى الفهم، وقد اشار الشريف الجرجاني الى الفرق بين التأويل والتفسير من خلال نموذج تطبيقي لنص قرآني

في قوله تعالى: (يخرج الحي من الميت) [3] إن اراد به اخراج الطير من البيضة كان تفسيرًا،

وان أراد به إخراج المؤمن من الكافر، او العالم من الجاهل، كان تأويلًا )) [4] ، وكأننا هنا امام مستويات في تحليل النص، فهو يحمل دلالة اولى قريبة عامة ثم خصصت بإيراد من خلال الالفاظ، اما المستوى الثاني في الدلالة والذي حمل المعنى البعيد للسياق المتألف المنسجم مع اجزائه والنص يحتمل الوجهين معًا؛ لان المؤول يعتمد على معرفة اوسع يستعملها في الوصول الى المراد فيحاول ترشيح ممكنات تحتملها اللفظة وبإمكانها ان تنسجم مع السياق العام فاصبح (الحي) بمعناه القريب المادي (الطير) ، ثم انتقل الى ما يمكن ان يفهم منه معنى الحياة (كالمؤمن) بمفهوم النص القرآني او (العالم) واصبح الميت يقابل (البيضة) وفي مستوى آخر (الكافر) و (الجاهل) فالمؤول يحاول تقليب كل الدلالات المحتملة، والتي تعكس عملية استنباط ذهني قائم في ذهن المؤول للوصول الى المراد من النص، وقد جعل السيوطي الدليل يتبلور في عمل المفسر فيقول: (( التأويل إخبار عن حقيقة المراد والتفسير إخبار عن دليل المراد، لان اللفظ يكشف عن المراد والكاشف دليل، من ذلك قوله تعالى:(إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [5] تفسيره انه من الرصد، يقال رصدته: رقبته، والمرصاد، مفعال منه، وتأويله التحذير من التهاون بامر الله (- عز وجل -) ، والغفلة عن الاهبة والاستعداد للعرض عليه، وقواطع الادلة تقتضي بيان المراد منه

(1) كشف الظنون: 1/ 334.

(2) البرهان في علوم القرآن: 2/ 183.

(3) سورة آل عمران، الآية / 27.

(4) التعريفات / 23.

(5) سورة الفجر، الآية / 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت