الصفحة 90 من 281

أولًا: الإشاري بالتركيب:

1 -الإشاري المباشر:

تتيح اللغة بما تمتلكه من طاقة إيحائية وتوليدية لذهن المتلقي أن ينطلق إلى عوالم

تكمن وراءها، يكتشف المتلقي أبعاد هذه الطاقة الإيحائية عندما يحاول الوصول إلى

الفهم بغية تحقيق التواصل؛ فالمفهوم الإشاري يتولد عن اللغة عندما تتجاوز وظيفتها

الرئيسة إلى أن تكون موظفة لرسم شبكة من العلاقات مع معنى بعيد عن منطوقها

يمكن إدراكه من خلال إسهام عناصر السياق والمقام والمعرفة الخلفية إسهامًا فاعلًا فضلًا

عن اللغة، من هنا ظهرت قضية عدم كفاية اللغة وحدها لتأدية هذا المعنى اللاقولي،

وقد تنبه الجاحظ إلى هذا الصنف من المعاني، فقال: (( إن المعاني تفضل عن الاسماء والحاجات تجوز مقادير السمات وتفوت ذرع العلامات ) ) [1] ؛ فأشار بذلك الى وقوع نوع

من انواع التواصل يقصده المتكلم الا انه غير مباشر الوصول الى الذهن، فاللغة لا تنهض وحدها هنا لتأدية هذا المعنى، وقد شغلت هذه القضية الجاحظ وأولاها عناية واهتمامًا اوصلاه الى تصنيف المعاني الى اصناف، وقد عد الاشارة فيه شرطًا ضروريًا او معبرًا لبلوغه، فقال: (( ولولا الاشارة لما فهموا عنك خاص الخاص، إذ كان أخص الخاص

قد يدخل في باب العام الا انه ادى طبقاته وليس يكتفي خاص الخاص باللفظ عما اداه

كما اكتفى عام العام والطبقات التي بينه وبين أخص الخاص )) [2] ؛ فنلحظ في مقولة الجاحظ ان (خاص الخاص) لا يحده حد؛ فقد يدخل في باب العام أن يكون مدلوله اقرب، من هنا ندرك ان خاص الخاص نفسه، له مستويات فمنه القريب ومنه البعيد والأبعد، وقد تعود تسميته لهذا الصنف بالإشارة، لان الإشارة قد تكون حركة فتؤدي مدلولًا معينًا، وهذا المدلول يتحصل من غير نطق، فهي في اللغة نظام دلالي غير لفظي اشار اليه وشور:

اومأ، يكون ذلك بالكف والعين والحاجب، وشور اليه بيده أي: أشار [3] ، من هنا اصبحت علاقتها بالتواصل تخرج بالدلالة الى فضاء أوسع من ثنائية الدال والمدلول الى البحث

في مدلول الدال ومدلول المدلول، فهي ترتكز على مسار يتحرك من داخل اللفظ الى

فضاء الدلالات المكثفة في الخطاب كله، وكأن الجاحظ قد عد الاشارة من انواع الدلالات

(1) الحيوان: 5/ 102.

(2) م. ن: 1/ 50.

(3) لسان العرب: 4/ 436 - 437، مادة (شور) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت