الصفحة 13 من 281

التفسير وعلاقته بالتأويل:

ظلت اللغة العربية الفصحى تحمل معها المعجم بوصفه إطارًا مرجعيًا فكريًا عبر العصور، وقد ظل المعجم معينًا لتلمس المجال التداولي الاصلي والحقل المعرفي الخاص بالمفردات، من هنا كان علينا النظر الى مفردة (التفسير) لتبين ما اكتسبته من طويل تجربتها القولية بدخولها في سياقات استعمال وهي محملة بتاريخها الدلالي.

فالتفسير ماخوذ من الفسر ومنه (التفسرة) وهو لفظ اطلق على الماء الذي ينظر فيه الطبيب ليستدل على مرض البدن وان كل شيء يعرف به تفسير الشيء هو التفسرة [1] . ففعل التفسرة يعتمد على واسطة من دونها لا يتم هذا الفعل وهو (الوسيط) الذي يستدل به الطبيب على مرض المريض، وفعل (النظر) من جانب الطبيب، هو الذي يمكنه من فحص المادة واكتشاف (العلة) ، وهي تعتمد على معرفة الطبيب بالعلل ومظاهرها [2] . فعملية التفسرة هذه قائمة على اساسين متلازمين هما (الوسيط) ويشمل الموضوع او النص، وإحاطة الذات الناظرة في المادة، وبدون هذا تتحول المادة الى شيء لا دلالة له على الاطلاق، وتلتقي دلالة الاصل الاشتقاقي الثاني لمصطلح (التفسير) (سفر) بدلالة الاصل الاشتقاقي الاول (فسر) في الدلالة على (الكشف والظهور والبيان) على الرغم من كونها دلالة فرعية؛ لانه تقابلنا دلالات عدة مركزها (الانتقال والارتحال) ؛ فالمسافر سمي مسافرًا، لانه يكشف ما كان خافيًا، (( وسمي السفر سفرًا لانه يسفر عن وجوه المسافرين واخلاقهم فيظهر ما كان خافيًا منها ) ) [3] (السفير) الذي يصلح بين الناس؛ لانه يزيل ما كان من عداوة وخلاف، والسفير وسيط يوضح او يوصل للمقابل وجهة نظر المتكلم الذي احتيج الى توضيح وجهة كلامه؛ من هنا كان السفر الكشف المادي والظاهر، والفسر الكشف المعنوي الباطن [4] ، فدلالة المادتين واحدة في النهاية وهي الكشف عن شيء مختبئ من خلال وسيط يعد بمثابة علامة دالة

للمفسر من خلالها يتوصل إلى هذا الخبئ، وقد ارتبط المعنى اللغوي والاصطلاحي

بالاشارة الى فاعلية عملية التفسير، ومن ثم حاجة المفسر لنص معين ان يكون ملمًا

بعلوم عدة، كعلم القراءة واحكام النطق ومدلولاتها واحكامها الافرادية والتركيبية،

(1) العين: 7/ 248، مادة (فسر) .

(2) مفهوم النص / 224.

(3) تهذيب اللغة: 12/ 402.

(4) مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والادب، امين الخولي / 271.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت