هناك شكل آخر من أشكال الانتقال بالملتقى، وهذا الشكل يعمل على نقل ذهن
المتلقي من نسق أسلوبي الى اخر كأن يكون السياق اخذًا في اسلوب حكائي (قصصي) ،
ثم يتحول إلى الأسلوب المباشر للخطاب، فيجد المتلقي نفسه، وقد انتقل من مجال
دلالي إلى آخر، وهذا التغير في نظام الخطاب او النص يقوم على تغير في الضمائر،
لذا فانه تستجيب لهذا الشكل الانتقالي بعض مفاهيم القدماء في من اصطلح عليه
بـ (الالتفات) [1] ، الذي يعتمد الضمير طريقة للتحول او الانتقال بين حالتين من
حالات التخاطب (الغائب الحاضر) و (الحاضر، الغائب) ، من هنا فقد شكل (( أساسًا
صالحًا لتغير بنيه الكلام من سياق إلى آخر مع وضوح شكل هذا التغير )) [2] .
وقد تناول القدماء اثر حصول هذه الحركة بأنه (( احسن تطرية لنشاط السامع
وإيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد )) [3] . وقد أشار القدماء إلى أن
وقوع هذه الظاهرة يؤكد حضور الفكرة المعدول عنها، فنرى قدامة بن جعفر يقول
ان المتكلم يلجأ الى هذا الاسلوب عندما (( يعترضه اما شك او ظن بأن رادًا يرد عليه
قوله أو سائلًا يسأله عن سببه فيعود راجعًا على ما قدمه فاما ان يؤكده او يذكر سببه
او يحل الشك فيه )) [4] ، فيكون الانتقال من صيغة الى اخرى لاجل ابراز الدلالة الاولى،
او الفكرة وتأكيدها ببيان سببها، وقد يحصل في هذا التحول إتمام المعنى كأن بدأ
التحقق بذلك مبالغة [5] وزيادة تأكيد وصول الفكرة، فاذن تساهم هذه الآلية في بناء
مدلولات جديدة لا تظهر على سطح النص، وإنما تتحقق في اكتشاف المتلقي أسباب
حركة الانتقال التي حصلت. وفهم البعد الدلالي الذي انبثق عنها، فالتركيز فيها يكون
مسلطًا على المتلقي وكأن السياق النصي يدعوه ليصل إلى الفهم من خلال هذه التقنية
التي قد تنعكس بتوجيه المتلقي الوجهة الصحيحة التي يرتضيها له مشروع النص في
سؤال ما، وقد يتصور ذلك الأمر بتحول ظاهر في صيغ الضمائر من حاضر الى
غائب او من غائب الى حاضر، ويتبع ذلك تحويل الموضوع من جهة يسير عليها الى
(1) (*) عد السكاكي وابن الاثير الالتفاف انتقالًا، =: مفتاح العلوم / 86، والمثل السائر: 2/ 171.
(2) استقبال النص عند العرب: محمد المبارك: 275.
(3) الكشاف: 1/ 64، و=: البرهان: 3/ 314.
(4) نقد الشعر: 167.
(5) الوافي: 278.