جهة اخرى تدعو المخاطب الى استبطان النص والوصول الى البنى العميقة له في مسار
الفهم. وتعد حركة الضمائر موجهة لانفتاح النص أو انغلاقه، فضمائر الغائب عادةً ما تكون الاحالة بها مقالية داخل النص، في حين ان ضمائر الخطاب تكون الاحالة بها مقامية خارج النص، فإذا نظر الى الضمائر من زاوية الاتساع امكن التمييز فيها بين ادوار الكلام التي تندرج تحتها جميع الضمائر الدالة على المتكلم والمخاطب، وهي إحالة لخارج النص بشكل نمطي، ولا تصبح احالة داخل النص، أي اتساقية الا في الكلام المستشهد به )) [1] ، فبوساطة حركة الضمائر يمكن ان يخترق النص المسامع من خلال الماضي وينفتح على المستقبل لغرض إشراك كل من يستمع فيكون عالم الخطاب مفتوحًا على (جمهور عالمي) . وقد أشار الزمخشري في تعليقه على فاعلية هذا الانتقال بقوله: (( هو فن من الكلام جزل فيه هز وتحريك من السامع، كما انك اذا قلت لصاحبك حاكيًا عن ثالث لكما ان فلانًا من قصته كيت وكيت، فقصصت عليه ما فرط منه، ثم عدلت بخطابك الى الثالث فقلت: يا فلان من حقك ان تلزم الطريقة الحميدة في مجاري أمورك وتستوي على جادة السداد في مصادرك ومواردك نبهته بالتفاتك نحو فضل تنبيه، واستدعيت إصغاؤه إلى إرشادك زيادة استدعاء وأوجدت بالانتقال من الغيبة الى المواجهة هازًا من طبعه ما لا يجده اذا استمررت على لفظ الغيبة ) ) [2] ، فتتيح هذه الآلية فرصة لاشتراك اكبر عدد من المتلقين ودخولهم في حيز الخطاب، فيكون المتلقي الذي يسمع معنى بشكل مباشر بالفكرة المراد تأكيدها وتثبيتها في ذهن المتلقي، ان هذه الوظيفة منحسرة في حركة الضمائر من الغيبة الى الخطاب المباشر، فالمتلقي في هذا يكون دوره مستمعًا في البدء ثم لا يلبث يجد نفسه مقحمًا داخل الخطاب معنيًا به؛ لان الاحالة الى داخل النص تجعل النص مغلقًا على نفسه في حين ان حركة الانتقال تسهم في انفتاح النص من خلال الإحالة الخارج نصية نفسه لتصبح العوالم المعنية اكبر
ويصبح المخاطب من مفرد الى جمهور. ويعمد النص إلى الافادة من علاقتي
الحضور والغياب للضمائر في تكوين سياقات نصية يؤدي ظهور الضمير فيها وغيابه
دورًا في تحقيق بعد دلالي تأويلي ففي قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا) [الآيتان 88 - 89 / سورة مريم] .
(1) لسانيات النص / 18.
(2) الكشاف: 1/ 224.