فالضمير المتصل المتمثل بـ (واو الجماعة) يعود على جماعة الغائبين، وقد دل السياق على الاخبار، وهو لا يخاطب شخصًا موجودًا، بل هو يخاطب ذاتًا ماثلة وأقوامًا محتملة ولا يزيد تأثير هذا القول عن تأثير الخبر في ذاكرة المتلقي، ويعطينا الضمير المتصل بـ (الواو) مساحة دلالية واسعة للحيز الذي يحتويه من عدد الأقوام المنكرة لوحدانية الله تعالى؛ فيدخل في دائرة مرجعيات الضمير كل من مشركي العرب حين يقولون: الملائكة بنات الله (تعالى) ، والمشركين من اليهود: عزير ابن الله (تعالى) والمشركين من النصارى: المسيح ابن الله (تعالى) [1] ؛ فاستخدام صيغة الغائب الذي جاء بأسلوب الحكاية عن أمر حصل، وهو امر عبر عن سوء تفكيرهم وكفرهم، إذ وضعوا أنفسهم في موقف استحقوا عليه العقاب؛
فضمير الغائب جاء مدلًا على الواقع الخارجي، لكن الانتقال حول الواقعة الخارجية الى واقعة داخلية، أصبحت تمثل حركة المرسل إليه فردًا ضمن الجماعة يربطهم ماضٍ مشترك؛ وتأتي الإحالة لتعيد على أذهانهم هذا الماضي يخالف منها مبتغاهم الفكري ويعيره، فدخول المخاطبين في هذا الدائرة مع توفر الأدلة الدافعة على عدم أحقية هذه الادعاءات يجعل المخاطبين يأخذون حكمًا من أي شئ عظيم، فيكون (( المقصود من حكاية قولهم ليس مجرد الإخبار عنهم أو تعليم دينهم، ولكن تفظيع قولهم وتشنيعه، وإنما قالوا ذلك تأييدًا لعبادتهم الملائكة والجن واعتقادهم شفعاء لهم .. ) ) [2] ، فالانتقال من الحديث عنهم (قالوا) إلى الحديث اليهم (لقد جئتم) زيادة في تهديد من قالوا، ومواجهة لهم بالسخط عليهم والتأنيب لهم، [3] ؛ لان توبيخ الحاضر أوقع من توبيخ الغائب فرمى باطلهم في وجوههم، فأصبح المخاطب معنيًا بالقول عندما تحول النسق السياقي ويمكن تمثيل حركة السياق بالشكل:
غياب
حضور
(وقالوا اتخذ الرحمن ولدا)
(لقد جئتم شيئًا إدا)
(واقع خارجي)
(واقع داخلي)
نسق سياقي
(هم)
تغير أسلوبي
نسق سياقي
(أنتم)
(1) في ظلال القرآن: 4/ 2320.
(2) التحرير والتنوير: 17/ 169.
(3) المشاهد في القرآن الكريم: 470.