ممكن الوقوع، كما ان فاعلية فعل الامر (قل) واثرها وطاقتها الاقناعية تمثلت في سياقات (الاسلوب الحكيم) او (ظاهرة الانتقال الدلالي) ببعديه الحياد عن الجواب الى
غير المتوقع، أو الجواب الذي يأخذ مساحة اكبر مما يتطلبه فعل (الاستفهام) والذي هو
(طلب الفهم) ، فيفيد النص الذي ترد فيه من طاقتها الايحائية تلك في توجيه ذهن السامع الى ما هو اصلح له، فضلًا عن كون فعل الامر (قل) للرسول (- صلى الله عليه وسلم -) فيه اعمام للخطاب، للجهة التي صدر منها فهي تفتح فضاء الزمان والمكان ليحتوي اكبر جمهور محتمل او معاصر وتكثر في النص القرآني بالشكل (يقولون - قل) واحيانًا ترد جوابًا عن تقولات خارج النص. لذا فتمركز البنى الامرية في النصوص التي وردت فيها كان بقصد استحضارها دور الذات الالهية في مقامات معينة، ذلك ان البنى الامرية تحتوي ثنائية الذات المرسلة والمرسل اليها، وبذا فانها تضيف حمولة دلالية للنص، لان دلالتها المركزية تبقى حاضرة مع ورودها وهي تأكيد مصدر القول (الوحي) وتجديد حضور النبي (- صلى الله عليه وسلم -) رسولًا من عند الله وتأكيد اهمية القول الذي يأتي بعدها. وفي قوله تعالى:(وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ
يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [الآية 18 / سورة المائدة] .
فالنص فيه ادعاء على لسان اليهود والنصارى متضمن في حكاية قولهم، وتحمل
طريقة حكاية هذا القول (وقالت) دلالة كونها واحدة من مقولات كثيرة قالوها ويقولونها
فهو ديدنهم الذي اعتادوا عليه وفحوى المقالة: (نحن ابناء اللَّه واحباؤه) يعكس معتقدًا وتصورًا مترسخًا في نفوسهم بنوا عليه تصرفاتهم، واكد هذا المنطلق ورودها بالجملة الاسمية الدالة على الثبات والاستقرار واليقين: (نحن ابناء اللَّه واحباؤه) فتصديرها بالضمير المنفصل (نحن) العائد على المتكلمين (النصارى واليهود) والدالة على تحقيق حضور الذات المتكلمة بوصف انفسهم الصفوة المختارة منسوبة الى اللَّه سبحانة، وهم يقولون هذه الفكرة التي تأسست في
اذهانهم بثقة؛ لان اتخاذهم ابناء (( يعني تخصيصهم بمزيد الشفقة والمحبة، فالقوم لما ادعوا ان عناية اللَّه بهم اشد واكمل من عنايته بكل ما سواهم لاجرم عبر اللَّه تعالى عن دعواهم بكمال عناية اللَّه بهم بأنهم ادعوا انهم ابناء اللَّه ) ) [1] او ان يكون قولهم هذا (( بما هو ناظر الينا به
(1) التفسير الكبير:11/ 192.