و الله سبحانه و تعالى خالق الخير و الشر لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته ، و خلقه الشر شرًا في الحكمة كخلقه الخير خيرًا. فالأمران معا مضافان إليه خلقًا و إيجادًا ، و إلى الفاعلين لهما من عباده فعلا و اكتسابًا . انتهى.
و أحسن ما قيل في قوله صلى الله عليه و سلم ( و الشر ليس إليك ) ما نقله النووي عن الخطابي ، و نقله ابن الأثير عن الهروي: إنه إرشاد إلى الأدب في الثناء على الله تعالى بأن تضاف إليه محاسن الأمور دون مساويها على جهة الأدب.
قلت و هذا كما أخبر الله تعالى عن الجن أنهم أضافوا الخير إليه ، و أضافوا الشر إلى غير فاعل ، و مثل ذلك ما في فاتحة الكتاب ( إهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم و لا الضالين ) . ففي هؤلاء الآيات الكريمات الإرشاد إلى الأدب في الدعاء و الثناء على الله تعالى بأن تضاف إليه محاسن الأمور كالانعام و الهداية و غير ذلك من أنواع الخير بأن يضاف الشر و الغضب و ما في معنى ذلك إلى غير فاعل مع العلم بأن الله تعالى هو خالق الخير و الشر و المتصف بالانعام و الغضب.
قال النووي - رحمه الله -: و أما قوله ( و الشر ليس إليك ) فمما يجب تأويله لأن مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل الله تعالى و خلقه ، سواء خيرها و شرها ، و حينئذ يجب تأويله ، و فيه خمسة أقوال أحدها معناه لا يتقرب به إليك قاله الخليل بن أحمد ، و النضر بن شميل ، و إسحاق بن راهويه ، و يحيى بن معين ، و أبو بكر بن خزيمة ، و الأزهري ، و غيرهم.
و الثاني حكاه الشيخ أبو حامد عن المزني و قاله غيره أيضا معناه لا يضاف إليك على انفراده ، لا يقال يا خالق القرده و الخنازير ، و يا رب الشر ، و نحو هذا ، و إن كان خالق كل شيء ، و رب كل شيء ، و حينئذ يدخل الشر في العموم.
و الثالث: معناه و الشر لا يصعد إليك إنما يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح.