ويفهم من هذا، تجوز الإشارة إلى العلو والرد على من نفاها وتأول، وفيه أيضًا جواز الاستفهام عن الله"بأين"التي تقتضي دلالتها تحديد الجهة في اللغة، إلا أن دلالة بعض الألفاظ في القرآن الكريم تنقل من المواضعة اللغوية إلى الاصطلاح الشرعي أو العقدي عن طريق التأويل، ويعتمد في النقل الدلالي للفظ على آليات تحويلية في النصوص ذاتها، وهي قائمة على علم البحث اللغوي ونظام الدلالة اللفظية من مجالها العرفي إلى مجالها الاستدلالي العقلي، أي أنها تحولت إلى نظام من العلامات غير اللغوية، فتحولت إلى علامات ودلالات معقولة، فكلمة"أين الله"مع استحالة كونه في مكان، فاستحالة المكان بالنسبة للفظ"أين"في حق الله يعتبر نقلًا من المواضعة إلى الاستدلال العقلي العقائدي وفي كلام العرب مما يقابلها أيضًا أنهم استعملوها عن مكان مسؤول عنه في غير هذا المعنى الأصلي توسعًا وتشبيهًا لها بما وضع لها، فيقولون: أين فلان من فلان؟ وليس يريدون الرتبة والمنزلة، وكذلك يقولون: لفلان عند فلان مكانة ومنزلة، ويريدون من ذلك المرتبة في التقريب والإكرام، ويقولون: فلان في السماء أي هو عظيم الشأن رفيع المقدار.
وتكون دلالة"أين"بهذا الاعتبار على المجاز، وقال الإمام أبو يحيى زكريا الأنصاري، في هذه الآية:"من في السماء":"إن قلت كيف"من في السماء"مع أنه تعالى ليس فيها ولا في غيرها بل هو تعالى وتنزه عن كل مكان؟! قلت: المعنى بملكوته في السماء، التي هي مسكن ملائكته، ومحل عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ومنه تنزل أقضيته وكتبه" (55)