الصفحة 91 من 337

الحَرفُ العَرَبي بَين الأصَالة والحَداثة - حَسن عَبّاس1

أولًا -تمهيد وتوضيح:

لي دراسة لغوية موسعة أنجزتها ولمَّا تنشر تحمل عنوان"الحرف العربي والشخصية العربية"، قد تناولت في هذا المقال بعضًا من مسائلها مما يدور حول أصالة الحرف وحداثته.

ولكن قبل أن أتحدث عن (الأصالة والحداثة) في الحرف العربي أرى أن ألقي أولًا بعض الأضواء حول تعامل الناس معهما، كيما أضع مفهوم كل منهما في إطاره (الثقافي -الاجتماعي) العام.

فالعلاقة بين الأصالة والحداثة) قد تعرضت عندنا ولا تزال تتعرض للمزيد من النقاش والجدل على شتى الأصعدة وفي مختلف المجالات الثقافية والاجتماعية، سواء في الشعر أو اللغة أو العادات والمعتقدات والتقاليد...

فما أكثر الأقلام والألسن الواعية وغير الواعية، التي تصدت لهذه العلاقة بينهما باعتبارها مشكلة الإنسان العربي المعاصر.. ومع التسليم بأنها كذلك، فهي ليست وليدة عصرنا هذا وان كانت بالفعل من أهم قضايانا المصيرية وأخطرها.فموقفنا نحن من الأصالة والحداثة إنما هو كموقف شعوب العالم منهما على مر التاريخ. فكل ظاهرة تطور في أي المجالات الثقافية أو الاجتماعية أو العلمية، كانت في كل مكان وزمان هي بالذات موضوع خلاف ومثار جدل بين أصحاب (الأصالة والحداثة) ، كما كانت أيضًا محرضًا على النزاع بينهما في شتى المجالات الأخرى.

فالبعض يتمسك بالتراث الموروث باسم الأصالة لأسباب من قوة الاستمرار، أو الألفة والقداسة أو تحجر الفكر، أو الحفاظ على المواقع بالمكتسبة في ظله، فيتنكر لكل حداثة وتجديد. والبعض الآخر يستعين بالمستجدات الحديثة لزحزحة التراثيين عن مواقعهم زحامًا على المكاسب والمغانم. اختلاف في المواقف كان من ضحاياه المستضعفون من أصحاب الحداثة والأصالة على حد سواء.

على أن البعص الثالث من المستنيرين الأحرار، كان يصالح بين الأصالة والحداثة في معادلة ذكية تجمع بين محاسنهما وتستبعد شوائبهما سلمًا أو حربًا. ومن معادلة إلى أخرى أذكى وأشمل في شتى المعارف والعقائد والعلوم، أوجدوا عصرًا متطورًا مستنيرًا بعد عصر. وهكذا الأمر حتى انتهينا اليوم إلى هذا الوعي المعاصر المتماسك اللامحدود، محصلة محاولات موفقة لا حصر لها من التصالح والتآخي بينهما في شتى المجالات، مما يشير إلى وحدة الوعي في الوجود.

ولذلك فإن أصحاب (الأصالة والحداثة) في أي مجال، إذا لم يعتمدوا ما توصل إليه الوعي المعاصر في شتى القطاعات الاجتماعية والثقافية والعلمية، تظل بحوثهم ومواقفهم قاصرة بمسافة ما يبتعدون عنه غفلة أو تغافلًا. وبالمقابل، فإنهم بمقدار ما يعتمدون هذا الوعي، تتاح لهم الفرص المواتية كيما يكشفوا عن جذور (الأصالة) أعمق وأصدق، ويلائموا بينها وبين (الحداثة) على الواقع الراهن بما هو أشمل وأحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت