الصفحة 53 من 337

اللغَة العربيّة بَين الأصالة والإعجاز والحَداثة ـــ د. عمَر موسى باشا

أبرز ما يلاحظ أن الاهتمام باللغة العربية بدا واضحًا كل الوضوح في المؤسسات العلمية والثقافية والأكاديمية. بله المقالات المنشورة في المجالات الفكرية والثقافية في عالمنا العربي.

بيد أن تساءلت منذ البدء عن البواعث الكامنة وراء الاهتمام بالعامية لدى بعض المفكرين، ومما استرعى انتباهي أن الأمم الأخرى لا تهتم باللهجات الدارجة في الحديث والحوار، ولا تعطيها مثل ما نعطيها من أهمية. وإنما نرى تقدس اللغة الوطنية على اختلاف المذاهب والاتجاهات. فالمعروف عن الكاتب الفرنسي الكبير أناتول فرانس أنه كان ذا فكر تقدمي، وأن الكاتب والناقد الفرنسي المشهور موريس باريس كان من أنصار الكثلكة، فلما سألوه (1) :"أفلا ترى مبادئ أناتول فرانس وغلوه في الإشتراكية..؟"أجابهم:"قولوا فيه من هذه الجهة ما شئتم، إلا أنه حفظ اللغة".إن حفظ اللغة هو الأصل في كل العصور، وعند كل الأمم، وهذا هو هدف كل مفكر وأديب وناقد، مهما اختلفت الآراء وتباينت المذاهب، ذلك لأن اللغة تمثل الفكر القومي في حقيقة الأمة، وحفظ لغتها، إنما هو التقديس لتراثها، ومن المأثور قول الرسول الكريم (2) :"أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي،".

قد نتساءل عن سبب التسمية بلغة الضاد، فهل كان نسبة إلى حرف الضاد الذي يستثقل الأعاجم لفظه مفخمًا، أم أن ذلك يرجع إلى لفظ مُضر، وأبرز ما في هذا اللفظ توسط الضاد، وهي أحد الحرف التسعة عشر المجهورة، والمعروف أن ثلاثة منها حيز واحد، وهي الجيم، والشين، والضاد، وهذه الحروف الثلاثة هي الحروف الشجرية.

كان لابد لي من العودة إلى نقطة البدء في ماضي اللغة العربية، وذلك لمعرفة ما طرأ عليها من الانحراف واللحن والتطور، وهذا يتطلب منا الوقوف عند التعريف اللغوي والتطور الاصطلاحي.

يقول صاحب اللسان ابن منظور (3) :

"واللغة اللسن، وحدُّها أنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، وهي (فُعلةٌ) من (لغوت) أي تكلمت، أصلها (لُغوة) . وقيل أصلها (لُغَي) أو (لُغوٌ) ، والهاء عوض، وجمعها (لُغىً) . وفي المحكم: الجمع (لغات) و (لُغون) ... والنسبة إليها (لُغويّ) ، ولا تقل: (لَغويٌ) ..".

ولابد لنا من الوقوف على ما جاء في المحكم من جمع اللغة جمعًا مؤنثًا، وجمعًا ملحقًا بالجمع المذكر السالم، على غير ما هو معروف في شروطه، ولعل اللغويين كانوا يعتقدون أن هذا الحمل مقبولًا، ذلك لأن اللغة خاصة بالعقلاء، وعلى هذا حملت هذا المحمل، لأن الإنسان هو الحي الناطق بين الكائنات جميعًا، وهو وحده المتميز باللغة المنطوقة، ذات المغزى والدلالة.

وتطورت لفظة اللغة، واشتُقت منها اشتقاقات مختلفة بحكم طبيعتها التوليدية والحركية والذاتية، فقد نُقل عن أبي سعيد قوله (4) :"إذا أردت أن تنتفع بالأعراب فاستلغهم، أي أسمع من لغاتهم من غير مسألة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت