الصفحة 23 من 337

اللسان العربي المبين - د. جعفر دك الباب

تعتبر هذه المقالة الثالثة في سلسلة مقالاتي التي تفضلت هيئة تحرير"التراث العربي"بالموافقة على نشرها، ويمكن تسمية السلسلة (التراث اللساني العربي في ضوء اللسانيات الحديثة) . كنت قد بدأت هذا الاتجاه في البحث عام 1968 حين شرعت بتحضير رسالة الدكتوراه في جامعة موسكو في اختصاص اللسانيات التاريخية والمقارنة. وفي رسالتي التي كتبتها بالروسية ودافعت عنها عام 1973، عرضت نظرية الإمام الجرجاني اللغوية التي تضمنها كتاب"دلائل الإعجاز في علم المعاني"وقارنتها بالنظرية اللسانية الحديثة (1) ، وطالبت بأن تحتل نظرية الجرجاني عن جدارة موقعًا بارزًا في اللسانيات الحديثة. وتابعت السير في اتجاه دراسة التراث اللساني العربي في ضوء اللسانيات الحديثة خلال فترة تدريسي في الدراسات العليا في جامعة دمشق، فحددت الملامح العامة لاتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية الذي بلوره ابن جني في"الخصائص"والإمام الجرجاني في"دلائل الإعجاز في علم المعاني"في نظريتين متتامتين (2) .كانت المقالة الأولى في هذه السلسلة بعنوان"إعجاز القرآن وترجمته" (3) . عرضت فيها -انطلاقًا من نظرية الإمام الجرجاني اللغوية- رأي الجرجاني في إعجاز القرآن الكريم. وبينت أنه يقول بضرورة عدم التمييز بين معان أصلية ومعان ثانوية للقرآن، لأن القرآن معجز في جميع مواضعه. وأشرت إلى أن الجرجاني يؤكد ضرورة الربط بين النحو والبلاغة، لأن فصل البلاغة عن النحو يؤدي إلى القول إن القرآن الكريم معجز فقط في بعض مواضعه، وقررت في نهاية المقالة أن الترجمة الجيدة للقرآن الكريم يجب أن تكون للمعاني وأن تنطلق من فهم الخصائص البنيوية للغة التي تتم الترجمة منها واللغة التي يترجم إليها.

وكانت المقالة الثانية في هذه السلسلة بعنوان"الخصائص البنيوية للفعل والاسم في العربية" (4) . عرضت فيها تميز مفهوم (الكلمة) في علم اللغة العربية عن مفهوم (الكلمة) في علم اللغة الأوروبي، نتيجة لاشتمال النظام اللغوي للعربية على طريقة اندماج (أو اتصال) الكلمات. كما بينت خصائص بنية الفعل والاسم في اللسان العربي، وحددت في ضوء تلك الخصائص أنماط التراكيب في العربية. وقد تطرقت بصدد ذلك إلى العوامل في النحو، وأشرت إلى المنهج البنيوي الوظيفي للإمام الجرجاني في الدراسة النحوية، ولخصت نظرته الوظيفية إلى الإعراب.

وفي هذه المقالة الثالثة من السلسلة والتي تحمل عنوان"اللسان العربي المبين"أطرح السؤال التالي: هل تكفي معرفة الخصائص البنيوية للتراكيب في العربية لفهم معاني القرآن الكريم؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة مجددًا إلى البحث في إعجاز القرآن البلاغي، وتحديد مزايا اللغة التي أنزل القرآن بها فجعلت جميع العرب يقرون بأنه في أعلى درجة من البيان وبأن لغته قمة في الفصاحة والبلاغة.

آ)نص القرآن الكريم صراحة على أنه (قرآن عربي) في الآيات التالية:

-(إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون( /الزخرف 3/

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت