الصفحة 92 من 337

فالمآخذ التي تعرضت لها دراسات أصحاب (الأصالة والحداثة) في الحرف العربي مثلًا، تعود إلى عدم اعتمادهم ما استجد من العلوم التاريخية والأثرية والصوتية والجمالية والنفسية والفلكية والجيولوجية. وما أبريء دراستي من هذا المطعن ذاته.

فبين الأصالة والحداثة حوار أبدي، هو حصاد حيوية وعصارة جهد ومحرض تطور ومخاض ولادة، لولاه لبهتت الحياة وتاهت: رتابة قديم لا جديد له، وانفلات حديث بلا ضوابط.

فالأصالة فيما أرى، ليست قديم أمسنا ولو كان من تراثنا العريق، وانما هي ما قبل قبله نتخذ منه سلمًا للعودة بنا إلى أصول أصالته، إلى يوم استجاب الإنسان العربي به عفو فطرته السوية للتحديات البيئية والإنسانية التي اعترضته في مسيرته الحياتية، مرحلة متطورة بعد مرحلة، معتمدين في رحلتنا الطويلة هذه ما يتاح لنا من شتى المعارف والعلوم.

كما أن الحداثة ليست جديد يومنا مما يتعارض مع قديم أمسنا، ولو اعتراه البلى.

وانما هي وعي جديد للأصالة، وصياغة مثلى لها في عملية إبداع تتلاءم مع واقع كل مرحلة متطورة من مراحلنا في شتى المجالات.

وهكذا فالحداثة، هي وعي متطور من نسيج الأصالة نوظفه فيما يلائم واقعنا سدًا لحاجاتنا، تتصالح فيه متطلبات الحرية مع شروط الالتزام. فلا تجتث الحداثة جذورنا التراثية، فنضيِّع هويتنا ونفقد مقومات شخصيتنا، ونصبح ريشة باهتة في مهب الأعاصير، ولا يعيق التراث حركة تطورنا الإنساني وتقدمنا الحضاري، فيسحقنا تطور الآخرين وتقدمهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت