ولذلك لا بد أن نقيم حوارًا هادئًا نزيهًا بين الأصالة والحداثة في شؤوننا (الثقافية والاجتماعية) تراعى فيه القيم الجمالية والإنسانية، فتتحرر الأصالة في ميادينه من شوائبها، ومما انتابها في عصور انحطاطنا من الترهل والجمود. وبذلك تستعيد الأصالة نضارتها في قوام حضاري غض رشيق. كما أن الحداثة تزهو مع هذا الحوار وتزدهر في رعاية الأصالة، برصانة تحميها من الميوعة والانحلال، وبضوابط تقيها من الانحراف والشطط.
ثانيًا: وإذن ماذا عن أصالة الحرف العرب وحداثته؟
1-حول أصالة الحرف العربي:
آخذًا بما عرضته آنفًا عن المفهوم العام للأصالة يمكنني تعريف أصالة الحرف العربي بما يلي:
تتجلى هذه الأصالة أولًا في الخصائص الفطرية التي اكتسبها الحرف العربي عبر مسيرته مع الإنسان العربي منذ نشأتهما الأولى قبل التاريخ في الجزيرة العربية. فظلا يتفاعلان هناك مع بعضهما البعض ومع الطبيعة والمجتمع والحس والنفس مرحلة حياة متطورة بعد مرحلة، إلى أن استوفيا شروط نضجهما شعرًا وبطولة في العصر الجاهلي، وفصاحة وبلاغة وقيمًا مثلى في القرآن الكريم.
كما تتجلى هذه الأصالة ثانيًا، في أن الخصائص الفطرية للحرف العربي لا تزال عالقة به حتى يومنا هذا، فكان المعنى التراثي للكلمة العربية المعاصرة هو محصلة خصائص الأحرف التي تشارك في تركيبها.
وهكذا فإن أصالة الكلمة العربية مرتبطة بأصالة الحرف العربي. هو الأصل وهي الفرع. فلولا أصالته لانعدمت فطرتها. ولكن لو لم تحافظ هي على فطرتها لضاعت أصالته، كما وقع للكلمة وأحرفها في اللغات الأجنبية.