الصفحة 94 من 337

ولكن علماء العربية القدامى والمحدثين ممن قالوا بفطرية اللغة العربية قد تعاملوا جميعًا مع الحرف العربي بصور مباشرة أو غير مباشرة على أنه هو الفرع والكلمة العربية هي الأصل. لا يجرح حكمي هذا أن قال بعضهم بأن الحرف العربي هو أصل العربية، مثل (العلايلي) وغيره. ولكن القول شيء والتعامل شيء آخر. فبدل أن يسعوا إلى استخلاص معاني الكلمة العربية بالرجوع إلى خصائص أحرفها، حاول معظمهم استخلاص معاني الحرف العربي بالرجوع إلى معاني بعض الكلمات التي يتصدرها، وقليل من لجأ منهم إلى التي يقع الحرف في آخرها. (محمد عنبر) ونظريته جدلية الحرف العربي (1) .

ولما كانت خصائص كل حرف تتغير وفقًا لطريقة النطق بصوته: مشددًا عليه ومفخمًا في أول الكلمات أو مرققًا ومنعمًا ومخففًا في نهايتها، أو بين بين في وسطها، فقد كان لا بد من أن تغيب عنهم جميعًا، ليس معظم الخصائص الفطرية للحروف العربية فحسب، وانما معظم معانيها أيضًا. فتعذر عليهم بذلك الكشف عن أصالة الحرف العربي في خصائصه، ليتعذر عليهم أيضًا استخلاص معاني الكلمات العربية بالرجوع إلى معاني حروفها.

ولئن أصابوا جميعًا في بعض الأمثلة المختارة التي ضربوها، فلقد أخطأوا جميعًا في بعضها الآخر. (كما سيأتي في مقال لاحق بشيء من التفصيل) .

وهكذا فإن اعتبار الكلمة العربية هي الأصل والحرف فرعًا منها قد أخذ بمعظم علماء العربية القائلين بفطرتها إلى البحث أولًا عن معانيه، وليس عن خصائصه. فكان هذا الاعتبار هو العقبة الأولى في طريقها إلى أصالة الحرف العربي وحداثته. هذا مع الإشارة إلى أن الكثير منهم لم يعنَ باستخلاص معاني الحروف العربية. كما أن بعضهم حاول استخلاص خصائص بعض الحروف بالرجوع إلى صدى صوت الحرف في النفس، مثل (ابن جني والأرسوزي) . ولكنهم لم يلاحقوا تأثير خصائص الحرف في معاني جميع الكلمات التي يشارك في تراكيبها للكشف عن معانيه، فغابت عنهم معظم خصائصه ومعظم معانيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت