فهرس الكتاب
وننوه بأن الدراسات الأنثروبولوجية أثبتت أن الإنسان القديم لم يكن بمقدوره أن ينطق أصواتًا منفصلة بعضها عن بعض، لأن البنية التشريحية لأعضاء النطق عنده كانت تمكنه فقط من نطق أصوات مندمجة بعضها ببعض. فإذا أخذنا هذه الحقيقة العلمية بعين الاعتبار، تبين لنا أن الفترة التاريخية التي انفصلت فيها مجموعة الأصوات المندمجة بعضها بعض عن ارتباطها بالانفعال وارتبطت بالأشياء الموجودة في الواقع (أو بشكل أدق برموز تلك الأشياء) كانت تمثل نقطة انعطاف هام باعتبارها بداية تشكل الكلام الإنساني. فقد انتقل الصوت حينئذٍ من كونه وسيلة للتعبير العفوي عن الانفعال وأصبح وسيلة للتعبير الإرادي السمعي. ولعب أشكال ملامح الوجه وإشارات اليد المختلفة دورًا كبيرًا في ذلك الانتقال.
يميز عالم النفس ليف فيجوتسكي مستويين للكلام: المستوى الدلالي المتصل بالمعنى والمستوى الصوتي الخارجي. ويرى أن هذا التمييز لا ينفي الوحدة بينهما، ويؤكد أنها ليست وحدة تجانس وإنما هي وحدة تركيب. ويتحرك هذان المستويان في اتجاهين: فمن ناحية الكلام الخارجي يتقدم الطفل من الجزء إلى الكل، فهو يبدأ بكلمة واحدة ويتجه نحو الجمل. أما من ناحية المعنى، فيسير في الاتجاه المعاكس. فالكلمة الأولى تمثل بالنسبة للطفل جملة كلية، ثم يأخذ في التمكن من الوحدات الدلالية المنفصلة.
يوضح هذا التحليل ضرورة التمييز بين الجانبين الصوتي والدلالي، ويشير إلى أن هذا التمييز هو أساس وحدتهما. فتفكير الطفل الذي يكون في البداية كلًا غير متميز ينبغي أن يجد تعبيرًا في كلمة مفردة. وكلما صار تفكير الطفل أكثر تمايزًا يقل ميله إلى التعبير عنه بكلمات مفردة. ومن ناحية أخرى يساعد التقدم في الكلام إلى الكل المتميز في الجملة أفكار الطفل كي تتقدم من الكل المتجانس إلى أجزاء أكثر تحديدًا.
ويرى فيجوتسكي أنه لا يمكن فهم العلاقة بين التفكير والكلام من دون فهم واضح للطبيعة النفسية للكلام الداخلي. ويعرّف الكلام الداخلي بأنه كلام للذات، أما الكلام الخارجي فهو كلام للآخرين. إن الكلام الخارجي هو تحويل للتفكير إلى كلمات، أما في الكلام الداخلي فتنعكس العملية إذ يتحول الكلام إلى تفكير داخلي. ويعني ذلك أن تركيبهما يجب أن يختلف.
وهكذا يتبين أن الوحدة بين مستوى الصوت ومستوى المعنى في الكلام هي وحدة تركيب، وأن الكلمة الأولى تمثل بالنسبة للطفل جملة كاملة لأن تفكيره ينطلق في البداية من الكل غير المتميز (25) .
في ضوء ما تقدم، واستنادًا إلى المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية، نرى أن الصفات الموضوعية للصيغة اللغوية - الأصل في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني هي التالية:
1-أن تكون تعبيرًا عمّا يمكن إدراكه بالعين والأذن معًا، أي عن شخص محدد بحاستي السمع والبصر معًا.
2-أن تكون من الناحية الصوتية كلمة واحدة وتفيد من ناحية المعنى كلامًا تامًا (أي جملة) يشتمل على فائدة (أي يؤدي وظيفة اتصال) .
3-وبما أن البنية التشريحية لأعضاء النطق عند الإنسان كانت تمكنه فقط من نطق أصوات مندمجة بعضها ببعض (كما أثبتت ذلك الدراسات الأنثروبولوجية) ، فإن ذلك يعني أن الصيغة اللغوية - الأصل في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني كانت تلفظ بالضرورة في مجموعة واحدة من الأصوات المتصلة. فالكلمة كانت في الطور الأول تتألف من مجموعة واحدة من الأصوات المتصلة.بعضها عن بعض وكانت لذلك تلفظ في مقطع صوت واحد. ولا يتحقق ذاك إلا في تقليد أصوات الحيوان.
جـ-تحديد الصيغة اللغوية - الأصل في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني (26) .
تقسم الكلمات في أي لغة إلى مجموعتين كبيرتين:
1-كلمات مستقلة بالفهم Autosemantic words.
2-كلمات غير مستقلة بالفهم Syntactic words.
وتبعًا لوجود (أو عدم وجود) إمكانية للتعبير عن الربط الإسنادي بوساطة صيغة الكلمة المستقلة بالفهم نفسها، يمكن تقسيم الكلمات المستقلة بالفهم إلى فئتين:
الأولى - الصيغ الشخصية المصرفة للفعل. تشير إلى الربط الإسنادي (وتقابلها صيغ الفعل العربي) .
الثانية - جميع صيغ الكلمات المستقلة بالفهم باستثناء الصيغ الشخصية المصرفة لفعل. لا تشير إلى الربط الإسنادي (وتقابلها صيغ الاسم العربي) .
تقسم الكلمات المستقلة بالفهم في العربية إلى صنفين - الفعل والاسم. ويتميز الفعل في العربية بأنه يكون دائمًا في صيغة شخصية مصرفة. لذا فإن صيغة الفعل العربي تفيد جملة لأنها تشتمل على مسند ومسند إليه.
هل الاسم (أي صيغ الكلمات المستقلة بالفهم باستثناء الصيغ المصرفة للفعل) هو أصل الكلام الإنساني؟
الاسم نوعان: اسم عين واسم معنى. لا يمكن أن يكون اسم المعنى أصلًا للكلام الإنساني، لأنه لا تتوافر فيه خاصتان من خصائص أصل الكلام الإنساني في الطور الأول:
آ)لا يمكن أن يكون تعبيرًا عمّا يدرك بالعين والأذن معًا لأنه مجرد (أي غير مشخص على الإطلاق) .
ب)لا يفيد معنى كلام تام (أي جملة) لأن صيغته لا تفيد الإسناد.
كما أن اسم العين لا يمكن أن يكون أصلًا للكلام الإنساني في الطور الأول، لأنه لا تتوافر فيه كذلك خاصتان من خصائص أصل الكلام الإنساني:
آ)يمكن أن يكون تعبيرًا عما يدرك فقط بالعين دون الأذن،أي يكون مشخصًا بحاسة البصر فقط.
ب)لا يفيد معنى كلام تام (أي جملة) لأنه يفيد معنى العين فقط، ولا بد في الكلام من مسند ومسند إليه.
ويعني ذلك أن الاسم (سواء أكان اسم معنى أم اسم عين) لا يمكن أن يكون أصلًا للكلام الإنساني في الطور الأول. ولا يبقى أمامنا سوى البحث عمّا إذا كانت الصيغ الشخصية المصرفية للفعل تصلح أصلًا للكلام الإنساني في الطور الأول.
هل الصيغ الشخصية المصرفية للفعل هي أصل الكلام الإنساني؟
يمكن أن تتوافر في الصيغ الشخصية المصرفة للفعل الخاصة الثالثة المميزة لأصل الكلام الإنساني في الطور الأول، إذا كانت تقليدًا لأصوات الحيوان، لأنها تلفظ حينئذ مندمجة في مقطع صوتي واحد. ويمكن أن تتوافر فيها الخاصة الأولى المميزة لأصل الكلام الإنساني في الطور الأول (بن تكون تعبيرًا عن مشخص محدد بحاستي السمع والبصر معًا) ، إذا كانت تفيد حدثًا جرى في الزمن الماضي قد سمعه وشاهد الحيوان الذي قام به كل من المتكلم والمخاطب، أي إذا كانت صيغة الفعل الماضي تحمل خبرًا غير ابتدائي بالنسبة للسامع. ولا حاجة في مثل هذا الموقف الكلامي أن تشتمل صيغة ذلك الفعل الماضي الذي قام به ثالث (غير المتكلم وغير المخاطب) على ما يتصل بها لفظًا للإشارة إلى المسند إليه، لأن الموقف الكلامي الراهن يشير إلى أنها تتضمن ذهنيًا (لا صوتيًا) الإشارة إلى المسند إليه. وبذا تتوافر في هذه الصيغة للفعل الخاصة الثانية المميزة لأصل الكلام الإنساني في الطور الأول، لأن صيغة الفعل الماضي للشخص الثالث في الخبر غير الابتدائي عبارة عن كلمة واحدة من الناحية الصوتية، ولكنها تفيد من حيث المعنى كلامًا تامًا (أي جملة) يشتمل على المسند (الحدث) والمسند إليه (الفاعل) الذي تتضمنه ذهنيًا صيغة الفعل في ذلك الموقف الكلامي (حين يكون الخبر غير ابتدائي) .
وهكذا يمكننا أن نقرر أن الصيغ الشخصية المصرفية للفعل تصلح من حيث المبدأ أن تكون أصلًا في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني، إذا توافرت فيها ثلاثة شروط:
1-أن تكون تقليدًا لأصوات الحيوان فتلفظ مندمجة في مقطع صوتي واحد.
2-أن تكون صيغة الزمن الماضي الخاصة بالشخص الثالث.
3-أن تكون مستخدمة في خبر غير ابتدائي، أي أن يكون كل من المتكلم والمخاطب قد سمع الحدث الذي يتم تقليد صوته وشاهد الحيوان الذي قام به.
رابعًا: أصالة اللسان العربي تكشف أن بدائية نشأته ترجع إلى الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني.
ذكرنا أعلاه أن دراسة مفردات المعجم العربي تكشف بجلاء عن وجود شبه بين كثير من ألفاظ اللسان العربي وأصوات الحيوان والطبيعة، الأمر الذي يشير إلى بدائية نشأة اللسان العربي. وبما أن نظام المعجم في العربية يقوم على الرجوع إلى أصل الفعل الثلاثي المجرد من حروف الزيادة، فقد طرحت السؤال التالي: هل تتوافر في أصل الفعل العربي ثلاثي الأصوات الصامتة الصفات الموضوعية للصيغة اللغوية - الأصل في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني؟
أجبت عن هذا السؤال في مقالتي"أصل الفعل العربي وأصل الكلام الإنساني (27) ". وبرهنت على أنه تتوافر في صيغة أصل الفعل العربي ثلاثي الأصوات الصامتة التي هي عبارة عن محاكاة لأصوات الحيوان (شحج، نزب) الصفات الموضوعية الثلاث للصيغة اللغوية - الأصل في الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني. وأكتفي هنا بإحالة القارئ إلى تلك المقالة.
وفي ضوء إثبات أن نشأة اللسان العربي تعود إلى الطور الأول من بداية تشكل الكلام الإنساني، سأطرح في المقالة التالية نظرة جديدة في دراسة بنية اللسان العربي.
الحواشي والهوامش
1-بعنوان"إعجاز القرآن وترجمته"نشرت في مجلة (العربي) العدد 7/ نيسان 1982.
2-بعنوان"الخصائص البنيوية للفعل والاسم في العربية"نشرت في مجلة (التراث العربي) العدد 8/ تموز 1982.
3-بعنوان"اللسان العربي المبين"نشرت في مجلة (التراث العربي) العدد 9/ تشرين الأول 1982.
4-للتوسع في الموضوع ارجع إلى مقالتي"مدخل إلى اللسانيات العامة والعربية"المنشورة في مجلة (الموقف الأدبي) بدمشق - العدد المزدوج 135-136/ تموز وآب 1982.
5-لخص السيوطي في كتابه"المزهر"الآراء المختلفة لعلماء العربية في هذا الموضوع. ويمكن بهذا العدد الرجوع مثلًا إلى: آ)مقالة الأستاذ صلاح الدين الزعبلاوي"مذاهب وآراء حول نشوء اللغات"المنشورة في مجلة (التراث العربي) العدد 7/ نيسان 1982. ب)مقالتي"تحديد أصل الكلام الإنساني"المنشورة في (المعرفة) بدمشق - العدد 227/ تشرين الثاني 1981.
6-"ابن جني والرؤية اللغوية"مقالة منشورة في مجلة (المعرفة) بدمشق - 216/ شباط 1980.
7-"الخصائص"تحقيق محمد علي النجار، دار الهدى - بيروت - الطبعة الثانية، جـ 1/54.
8-"الخصائص"جـ 2/28.
9-"الخصائص"جـ 1/64.
10-"الخصائص"جـ 1/47.
11-ارجع إلى كتابي"الموجز في شرح دلائل الإعجاز في علم المعاني"- مطبعة الجليل - دمشق 1980.
12-"دلائل الإعجاز في علم المعاني"تحقيق الإمام محمد عبده - الناشر مكتبة القاهرة - 1961/ ص 353.
13-"دلائل الإعجاز"/ص 35.
14-دار العلم للملايين - بيروت.
15-نشرت في مجلة (المعرفة) بدمشق - عدد تشرين الأول 1962.
16-"مغامرات لغوية"، ص 366.
17-"مغامرات لغوية"، ص 242.
18-نشرت في مجلة (اللسان العربي) بالرباط - عدد يناير 1972.
19-للتوسع في الموضوع ارجع إلى مقالتي بعنوان"مراحل نشأة الكلام الإنساني"التي ستنشر في مجلة (المعرفة) بدمشق.
20-"قصة الحضارة"الجزء الأول من المجلد الأول. ترجمة د. زكي نجيب محمود. لجنة النشر والتأليف - الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية - الطبعة الثالثة - القاهرة 1965/ ص 125.
21-"ضرورة الفن"نقله إلى العربية د. ميشال سليمان - دار الحقيقة - بيروت/ ص 28-29.
22-للتوسع في الموضوع ارجع إلى مقالتي"الخصائص المميزة الأصل الكلام الإنساني"المنشورة في مجلة (المعرفة) بدمشق - العدد 229/ آذار 1981.
23-للتوسع في الموضوع ارجع إلى كتاب د. علي عبد الواحد وافي"علم اللغة"- دار نهضة مصر - الطبعة السابعة - فصل (أنواع التعبير الإنساني) .
24-ارجع إلى"علم اللغة"للدكتور وافي، فصل (نشأة مراكز اللغة) .
25-ارجع إلى مراجعة بلال الجيوسي لكتاب فيجوتسكي"التفكير واللغة"المنشورة في مجلة (المعرفة) بدمشق - العدد 178/ كانون الأول 1976.
26-للتوسع في الموضوع ارجع إلى مقالتي"تحديد أصل الكلام الإنساني"المشار إليها أعلاه.
27-المنشورة في مجلة (الموقف الأدبي) بدمشق - العدد 122/ حزيران 1981.