الصفحة 154 من 205

هكذا كانت بداية تدوين التوراة بعد السبي, وبين هذه البداية وبين موسى ثمانية قرون, لقد بدأ الكهان بتدوينها دون وجود حق سابق يعتمد عليه، بل تركوا العنان لأفكارهم ومخيلاتهم، تصف الحوادث وتؤلفها حسب أهوائهم، وهذا هو سبب الأخطاء والتناقضات التي أشرنا إليها.

لهذا كله لا يمكن أن نعد العهد مصدرًا موثوقًا لتاريخ العرب القديم، وبالتالي التسمية التي اعتمدها شلوتسر وأطلقها المستشرقون على الشعوب القديمة التي سكنت الهلال الخصيب، وهي الشعوب الساميّة، فماذا ندعو تلك الشعوب إذًا؟؟؟.

اعتمد شلوتسر في تسميته /الساميين/ على القرابة، ولدينا من المسوغات أكثر مما كان لدى /شلوتسر/ بأن ندعوهم /العرب القدماء/ لوحدة لأصل أولًا والقرابة اللغوية ثانيًا، وقدم العرب ثالثًا،فأما وحدة الأصل والمنشأ: فنعني بها أن أجداد هؤلاء العرب القدماء كانوا يقيمون أولًا في شبه الجزيرة العربية؛ وفي المناطق الداخلية منها عندما ما كان مناخها لطيفًا وسماؤها مطيرة، تُنبت الأعشاب والأشجار على الصورة التي ذكرها في مطلع هذا البحث، ثم تغير المناخ وأخذ يميل نحو الجفاف شيئًا فشيئًا حتى غاضت الأنهار وتحولت إلى وديان جافة تحمل ضفافها آثار تلك الحياة.

أن /كايتاني caitani/ أول من لفت أنظار العلماء إلى هذه الظاهرة المهمة, ظاهرة التغير الذي طرأ على جو البلاد في الجزيرة العربية والجفاف الذي بدأ يحل بها في أواخر الدور الجليدي الأخير، ففقد الجو فيها رطوبته؛ وسارت بصورة مستمرة وبطيئة نحو الجفاف منذ أكثر من أربعة عشر ألف سنة, فأثر ذلك بالطبع, في حياة سكانها وحيواناتها ونباتاتها فانقرض ما لم يتمكن من تكييف نفسه مع المحيط, وظهر نمط الحياة اليدوية الذي أدى بعد ذلك إلى حدوث هجرات من داخل الجزيرة العربية نحو أطراف الهلال الخصيب، كلما ضاقت الجزيرة بسكانها [1] .

(1) -جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام ج (1) ص:/163/.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت