ورفع كلا الطرفين المتنازعين الفرنجة الغزاة، والمسلمون شعار (الجهاد في سبيل الله) ما دام ذلك الشعار يحقق لهم الأهداف التي يصبون إليها، لا سيما أن الدين كان الإطار العام للحياة بجميع مظاهرها في العصور الوسطى.
تقدم الصليبيون إلى بلاد الشام فوصلوا إليها عام 489هـ/1096م، وكانت آنئذ أوصالًا مفككة بين الفاطميين والأتابكة الزنكيين، وغيرهما من القوى المحلية الأخرى، وتمكنوا من الاستيلاء على طرسوس (مدينة صغيرة غربي خليج اسكندرون) والرها (أورفة) ، ثم احتلوا أنطاكية عام 492هـ/1099م، وفي نفس العام استولوا على القدس، وأعملوا في أهلها الذبح والقتل بالجملة (طبقًا لما ورد في المصادر العربية والأجنبية على السواء مثل الدويهي في تاريخ الأزمنة وشاميدور) .
وقد أدى ذلك إلى إثارة روح التحدي لدى العالم الإسلامي، وقد أوضح هذا المفهوم (المؤرخ برنارد لويس في كتابه الغرب والشرق الأوسط) بقوله: جاء الصليبيون يحملون معهم تراثًا ضخمًا من الشك والتعصب أثروا فيه على العرب المسيحيين، وعلاقتهم بجيرانهم المسلمين، وأضعفوا الوثيق من الصلات التي كانت قائمة بينهم قبل قيام الحروب الصليبية) انتهى قول لويس.
إلا أن ضعف المسلمين وتفوقهم لم يدم طويلًا بفضل ما تمخضت عنه يقظتهم في هذه المنطقة، وظهور قادة مخلصين أكفاء، تمكنوا من استغلال الظروف السياسية التي كانت تسود المنطقة في مدة لا تتجاوز نصف قرن، وكان من أولئك الرجال عماد الدين زنكي، وابنه نور الدين محمود، وأخيرًا صلاح الدين يوسف، الذي تمكن من توحيد الشام وبلاد الجزيرة ومصر، وامتدت سلطته من دجلة إلى النيل.
في هذه الظروف التي اكتنفها التعقيد السياسي، الذي كان أن يصل إلى شفير الفوضى برز صلاح الدين الأيوبي؛ الذي يشكل عهده أكثر من حادثة عابرة في تاريخ العصور الوسطى، فهو كما وصفه المؤرخ هاملتون جب ( يمثل إحدى تلك اللحظات النادرة والمثيرة في التاريخ البشري) .