فهرس الكتاب
و (رابعها) هذا الخطاب واقع على المسلمين { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ } بالألسنة { ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَآفّةً } أي دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من العمر ولا تخرجوا عنه ولا عن شيء من شرائعه» [1] ، ولا يخفى على ذي لبٍّ أن كل تلك الوجوه من التأويل محتملة في ذلك الخطاب، وعلى هذا يصح أن يُقْصَدَ بتلك الآية المنافقون، وأهل الكتاب والمشركون، لذا سأستدل بها هناك على نداء الله تعالى لهم بهذه الصيغة، إذ لا يوجد ما يمنع من الاستدلال بها على صحة قولي بأن النداء بلفظ (يا أيها الذين آمنوا) خرج في بعض آيات العهد المدني عن نداء أهل الإسلام إلى نداء غيرهم، وعلى ذلك يتمُّ التفريق بين المطلوبين بذلك النداء بوساطة السياق الذي يرد فيه النداء، على أنني رأيت الله تعالى خاطب المنافقين بهذه الصيغة أيضًا في قوله تعالى: { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِي نَزّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الّذِيَ أَنَزلَ مِن قَبْلُ } [النساء: 136] ، وفي هذه الآية أيضًا، ذكر الرازي أن ظاهر الآية (( مشعر بأنه أمر بتحصيل الحاصل، ولا شك أنه محال، فلهذا السبب ذكر المفسرون في تفسيرها وجوهًا وهي منحصرة في قولين: الأول: أن المراد بقوله تعالى: { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ } المسلمون، ثم في تفسير الآية تفريعًا على هذا القول وجوه: الأول: أن المراد منه يا أيها الذين آمنوا دوموا على الإيمان واثبتوا عليه، وحاصله يرجع إلى هذا المعنى: يا أيها الذين آمنوا في الماضي والحاضر آمنوا في المستقبل، ونظيره قوله { فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلَه إِلا اللّهُ } [محمد: 19] مع أنه كان عالمًا بذلك.
(1) تفسير الرازي ( م3/ج5/225-223 ) ، وينظر: تفسير البغوي ( 1/240 ) ، والكشاف ( 1/280 ) ، وتفسير البيضاوي (1/230) ، وروح المعاني ( م2/ج2/146 ) .