فهرس الكتاب
القول الثاني: أن المخاطبين بقوله { آمَنُوا } ليس هم المسلمون، وفي تفسير الآية تفريعًا على هذا القول وجوه: الأول: أن الخطاب مع اليهود والنصارى، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة وعيسى والإنجيل آمنوا بمحمد والقرآن. وثانيها: أن الخطاب مع المنافقين، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا باللسان آمنوا بالقلب، ويتأكد هذا بقوله تعالى: { مِنَ الّذِينَ قَالُوَاْ آمَنّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } [المائدة: 41] وثالثها: أنه خطاب مع الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا وجه النهار آمنوا أيضًا آخره. ورابعها: أنه خطاب للمشركين تقديره: يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى آمنوا بالله )) [1] ، وجاء النداء لهم بهذه الصيغة أيضًا في قوله تعالى: { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مّبِينًا } [النساء: 144] ، وهنا يرى الألوسي أن (( المراد بالذين آمنوا المنافقون وبالمؤمنين المخلصون، فالآية نهي للمنافقين عن موالاة الكافرين دون المخلصين؛ وقيل: المراد بالموصول المخلصون، وبالكافرين المنافقون فكأنه قيل: قد بينت لكم أخلاق هؤلاء المنافقين فلا تتخذوا منهم أولياء، وإلى ذلك ذهب القفال ) ) [2] ، ولا حاجة بي للإطالة في هذا الموضع؛ إذ النقول السابقة تكفي لما ذهبت إليه من خطاب الله تعالى للمنافقين ولأهل الكتاب وللمشركين بهذه الصيغة، لأن الآية تحتمل كل هؤلاء، ولا حجة في تضييق معناها، وحصره بفئة دون أخرى.
(1) تفسير الرازي ( م6/ج11/76 ) ، وينظر: الكشاف ( 1/609 ) ، وتفسير البيضاوي ( 1/122-123 ) .
(2) روح المعاني ( م4/ج5/260) ، وينظر: تفسير ابن عطية (2/128) .