ثانيًا: مجيء صيغة الخطاب بإلحاق تاء المخاطب بالأفعال: وهذه الصيغة جاءت في خطاب الله تعالى لأهل الشرك في قوله تعالى: { إن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } [الأنفال: 19] ، وهذا الخطاب من الله تعالى جاء بالتهكم والسخرية منهم [1] ، ودليل هذا الأمر أن في (جاءكم الفتح) تشبيه بمجيء المُنجد، إذ جعل الخطابُ الفتحَ قادمًا إليهم. وهذا يقتضي أن النصر كان في جانبهم ولمنفعتهم، ولكن الواقع يخالف ذلك، فعُلم أن الخبر مستعمل في التهكم بقرينة مخالفته الواقع بمسمع المخاطبين ومرآهم [2] ، وجاءت هذه الصيغة في آيات العهد المدني في سياق التهديد لهم، قال تعالى: { فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُلْ حَسْبِي اللّهُ } [التوبة: 129] وفي هذه الآية التفات للكلام من خطاب المشركين إلى خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بما كان مقتضى الظاهر أن يخاطَبُوا هُم به اعتمادًا على قرينة حرف (الفاء) فقيل له: { فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُلْ حَسْبِي اللّهُ } ، والتقدير: فإن توليتم عنه فحسبه الله وقل حسبي الله [3] . فجاء الخطاب المدني بهذا النظم البديع الإيجاز مع ما فيه من براعة الإيماء إلى عدم تأهلهم لمخاطبة الله لهم بسبب توليهم عنه [4] .
(1) ينظر: روح المعاني (م6/ج9/272) ، وفتح القدير (656) ، و التحرير والتنوير (م5/ج9/29) .
(2) ينظر: التحرير والتنوير (م5/ج9/29) .
(3) ينظر: نفسه (م6/ج11/73) .
(4) ينظر: التحرير والتنوير (م6/ج11/73) .