الصفحة 236 من 426

... لم تختلف غايات خطاب الله تعالى للمشركين عن غاياته مع أهل الكتاب، ولكن جعل الله تعالى لأهل الكتاب الفسحة، فإما الإسلام وإما الجزية والبقاء على دينهم، ولكن مشركي العرب ليس لهم إلا الإسلام أو القتل، وهذا لأن أهل الكتاب أهل علمٍ قد يسلمون بعد أن يختلطوا بالمسلمين، ولكن المشركين أميون ليس عندهم إلا التمسك بما كان عليه الآباء، و لربما-أيضًا- لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - منهم، ويعرفونه أفضل من أهل الكتاب- فهو من جنسهم - ولكنهم مع ذلك كابروا وحاربوه ومكروا معه المكر الكبير الذي لم يكن له جزاءٌ إلا رد المثل، ولعل السبب -أيضًا-أن الله تعالى أراد أن يجعل الجزيرة العربية كلها على ملةٍ واحدةٍ؛ حتى يفرغ العرب لدعوة الأقوام الآخرين إلى الدين بغير ما يشغل بالهم من القلق وبلبلة الفكر عند خروجهم من أرضهم، فالمنافقون وما يقومون به كافٍ للمسلمين، ولهذا قال الله فيهم: { تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } [الفتح: 16] ، على أن الله تعالى في خطابه للمشركين لم يجعله حكرًا على الرجال فقط بل ذكر الله تعالى نساءً مشركاتٍ كنَّ تحت عبادٍ صالحين، نوعًا من العظة والتخويف للمشركين، وكدليل على أن الله تعالى لن يرحمهم، وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - من جنسهم ونسبهم، كما في قوله تعالى: { ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا لّلّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ اللّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ } [التحريم: 10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت