وأحيانًا لا يراعي الخطاب المدني الفاصلة بل قد تأتي مغايرةً لغيرها، وهذا دليلٌ على أن المقصود بالدرجة الأولى المعنى، ففي سورة الفلق - مثلًا -، وهي سورةٌ قصيرةٌ، نجد الفواصل القرآنية مختلفةً في آياتها، فالفاصلة الأولى والثانية فيها (فلق، خلق) ، ثم الثالثة (وقب) والرابعة (عقد) والخامسة (حسد) وكل فاصلةٍ منهن تنهي معنى الآية عندها، قال الله تعالى: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ، مِن شَرّ مَا خَلَقَ، وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ، وَمِن شَرّ النّفّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ، وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } [الفلق:1-5] ، فالآية الأولى والثانية تتحدث عن الخلق، والثالثة تتحدث عن حضور الليل أو النجم، والرابعة عن عمل النساء للسحر، والخامسة عن حسد الناس، الذين يكونون من الرجال والنساء. ولكلٍ منهم ما يميزه من الآخر، فتنوعت الفاصلة لذلك، ولكنها اعتمدت الأصوات الشديدة [1] في نهاياتها وهي (القاف والباء والدال) ، على أن هذه الأصوات تجتمع في صفة الجهر أيضًا، لتصير متصفة بعد ذلك بصفة القلقلة عند النطق بها [2] ، لذا ناسبت تلك الأحرف ما في السورة من الاستعاذة من هذه الأمور العظيمة، ولو نظرنا إلى سورةٍ أخرى من السور الطوال، ولتكن سورة (آل عمران) ، لرأيناها تتكون من مائتي آيةٍ قرآنيةٍ، وفواصلها جاءت - منذ أول آيةٍ فيها- مختلفةً بعضها عن بعضٍ، وانظر إلى التفصيل الآتي:
1-الآيات من (1-6) مختلفةٌ.
2-الآيات من (7-8) تنتهي بـ (الألباب والوهاب) .
(1) ينظر: الملخص المفيد في علم التجويد لمحمد أحمد معبد (85) .
(2) ينظر: نفسه (92) .