... أما الجانب الأسلوبي الاختياري، من المناسبة في خطاب القرآن الكريم في العهد المدني، فيشتهر في إعراب الجوار [1] ، وهو نوعٌ من الترخص في القرينة الإعرابية، ولا يكون الجرُّ بالجوار إلا في النعت والتوكيد وعطف النسق [2] ، مع أننا وجدنا من النحويين من أنكر هذه الظاهرة وذهب إلى القول بشذوذها، كابن جني في المحتسب إذ قال: « إن الخفض بالجوار في غاية الشذوذ» [3] ، وقد عارضه الإمام الشنقيطي في تفسيره إذ قال: «والتحقيق: أن الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين» [4] ، ثم عرض أمثلة للجرِّ على الجوار في العطف والنعت من أشعار العرب ومن القرآن الكريم [5] ، وأنا أوافق الإمام الشنقيطي في ما ذهب إليه، مع أن هذه الظاهرة لم ترد في الخطاب المدني إلا في عطف النسق، في قوله تعالى: { لَمْ يَكُنِ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيّنَةُ } [البينة: 1] ، فإن قوله تعالى (والمشركين) جاء مجرورًا والأصل فيه أن يكون معطوفًا على الاسم الموصول (الذين) [6] ، الذي هو في محل رفعٍ اسم كان، ولكن لما كان ما قبل لفظ (المشركين) مجرورًا (أهل الكتاب) ؛ جاء لفظ (والمشركين) على الخفض على الجوار في رأي الألوسي [7] ،
(1) ينظر: البيان في روائع القرآن (1/215) .
(2) ينظر: شرح شذور الذهب ( 1/428 ) .
(3) المحتسب ( 2/297 ) ، وينظر: الخصائص (3/141) .
(4) أضواء البيان (1/331) .
(5) ينظر: نفسه.
(6) ينظر: روح المعاني ( م16/ج30/359 ) .
(7) ينظر: روح المعاني ( م16/ج30/359 ) ..